ما كان يقرًا ولا يكتب ، بل كان كما وصف نفسه مرارا _ نبيًا أميًا _ وهو وصف لم يعارضه فيه أحد من معاصريه . ولا شك أنه يستحيل على رجل في الشرق أن يتلقى العلم بحيث لا يعلمه الناس ، لأن حياة الشرقيين كلها ظاهرة للعيان ، على أن القراءة والكتابة كانت معدومة في ذلك الحين من تلك الأقطار . ولم يكن بمكة قارىء أو كاتب سوى رجل واحد ذكره جارسين دي تاسي في كتابه الذي طبعه سنة 1874 ، كذلك من الخطًا _مع معرفة أخلاق الشرقيين _ أن يستدل على معرفة النبي للقراة والكتابة باختيار السيدة خديجة ( رضي الله عنها ) ، اياه لمتاجرها في الشام ، ولم تكن لتعهد إليه بأعمالها إن كان جاهلًا غير متعلم ، فإنا نشاهد بين تجار كل قوم غير العرب وكلاء لا يقرأون و لا يكتبون ، و هم في الغالب اكثرهم امانة و صدقًا.
أما فكرة التوحيد: فيستحيل أن يكون هذا الاعتقاد وصل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من مطالعته التوراة والإنجيل ، إذ لو قرأ تلك الكتب لردها ، لاحتوائها على مذهب التثليث، وهو مناقض لفطرته ، مخالف لوجدانه منذ خلقه ، فظهور هذا الاعتقاد بواسطته دفعة واحدة هو أعظم مظهر في حياته ، وهو بذاته أكبر دليل على صدقه في رسالته وأمانته في نبوته .
أما صدق الرسول وسمو رسالته ، فقد أخذ ، كثير من رجال الكنيسة ومن رجال الأستعمار يشككون فيها ، ورغم الوضوح الصارخ في صدق الرسول وفي سمو الرسالة الإسلامية ، فإن رجال الدين من المسيحين ورجال الأستعمار لا يزالون يبدئون ويعيدون في ترداد التشكيك ، إلى هؤلاء وأولئك يقول الكونت:
والعقل يحار كيف يتأتى أن تصدر تلك الأيات عن رجل أمي ، وقد اعترف الشرق قاطبة بأنها آيات يعجز فكر بني الإنسان عن الأتيان بمثلها لفظًا ومعنى )) [1] .
آخر الرسل
(1) هنري دي كاستري: الاسلام ص 152 (نقلا عن مقدمة محمد رسول الله لاتيين دينيه ، ص 16) .