أما الشاعر الفرنسي الكبير ، الفونس دي لا مارتين ( 1790 _ 1869 ) الذي زار الشرق ، ترك كتابًا عن رحلته عنوانه: « السفر إلى الشرق » تحدث فيه عن البلاد الإسلامية ، و بحث في القيم التي نادى بها الإسلام ، ودرس بقلب الشاعر وعقل المفكر صدق دعوته ، فكان أن نافح عنه ضد من يرسل الترهات عن الخداع والنفاق . . فالكذب لن يستطيع الصمود طويلًا، وما كان بمقدور أي إنسان أن يحقق ما حققه رسول الله إلا بالصدق والصدق وحده . ترفده قدرة فكر ثاقب ، وصلابة في الموقف ، مكنه من أن ينقل أمته من الجاهلية الوثنية إلى نور الإسلام القائم على وحدانية الله كعقيدة ، وحضارة رائعة في مجتمع إسلامي متسم بالتسماح والعدالة و الاخاء بين المسلمين ، يقول لامارتين في سياق دفاعه عن صدق دعوة رسول الله.
(( أترون أن محمدًا كان أخا خدع وتدليس ، وصاحب باطل ومين ، كلا بعدما وعينا تاريخه ، ودرسنا حياته ، فان الخداع والمين والباطل والتدليس كل أولئك من نفاق العقيدة ، كما انه ليس للكذب قوة الصدق إلى أن قال:
إن حياة محمد وقوة تامله وتفكيره وجهاده ووثبته على خرافات أمته ، وجاهلية شعبه ، وشهامته وجرأته وبأسه في لقاء ما لقيه من عبدة الأوثان ، وثباته وتقبله سخرية الساخرين ، وحميته في نشر رسالته وحروبه التي كان جيشه فيها أقل نفرًا من عدوه ، ووثوقه بالنجاح وإيمانه بالظفر ، وتطلعه إلى إعلاء الكلمة وتأسيس العقيدة ، ونجواه التي لا تنقطع مع الله ، كل هذا لأعظم دليل على أنه لم يكن يضمر خداعا ، أو يعيش على باطل أو مين ، بل كان وراءها عقيدة صادقة ، ويقين مضيء في قلبه ، وهذا اليقين الذي ملأ روحه هو الذي وهبه القوة ، على أن يرد الحياة فكرة عظمة ، وحجة قائمة ومبدأ مزدوجًا ، وهو وحدانية الله سبحانه )) [1] .
(1) لامارتين: رحلة الى الشرق ، ص 84.