فهرس الكتاب

الصفحة 227 من 304

ولوحظ عليه منذ فتائه أنه كان شابًا مفكرًا » وقد سماه رفقاؤه الأمين ، أي رجل الصدق والوفاء ، الصدق في أفعاله وأقواله وأفكاره » وقد لاحظوا أن ما من كلمة تخرج من فيه إلا وفيها حكمة بليغة ، وإني لاعرف عنه أنه كان كثير الصمت ، يسكت حيث لا موجب للكلام ، فإذا نطق فما شئت من لب وفضل وإخلاص وحكمة ، لا يتناول غرضًا فيتركه إلا وقد أنار شبهته ، وكشف ظلمته ، وأبان حجته ، واستثار دفينته ، وهكذا يكون الكلام وإلا فلا .

وقد رأيناه طول حياته رجلًا راسخ المبدأ ، صارم العزم ، بعيد الهم ، كريمًا برًا رؤوفًا نقيًا فاضلًا حرًا ، رجلًا شديد الجد مخلصًا ، وهو مع ذلك سهل الجانب لين العريكة ، جم البشر والطلاقة ، حميد المعشر حلو الإيناس ، بل ربما مازح وداعب . وكان على العموم تضيء وجهه ابتسامة مشرقة من فؤاد صادق ، لأن من الناس من تكون ابتسامته كاذبة ككذب أعماله وأحواله ، هؤلاء لا يستطيعون أن يبتسوا . وكان محمد جميل الوجه ، وضيء الطلعة ، حسن القامة ، زاهي اللون ، له عينان سوداوان تلألآن ، وإنى لأحب في جبينه ذلك العرق الذي كان ينتفخ ويسود في حال غضبه (كالعرق المقوس الوارد في قصة القفازة الحمراء لوالترسكوت ) ، وكان هذا العرق خصيصة في نبي هاشم ، ولكنه كان أبين في محمد وأظهر . نعم ، لقد كان هذا الرجل حاد الطبع ناري المزاج ، ولكنه كان عادلًا صادق النية ، كان ذكى اللب شهم الفؤاد ، لوذعيًا كأنما بين جنبيه مصابيح كل ليل بهيم ممتلئا نارًا ونورًا ، رجلا عظيما بفطرته ، لم تثقفه مدرسة ولا هذبه معلم ، وهو غني عن ذلك كالشوكة استغنت عن التنقيح ، فأدى عمله في الحياة وحده في أعماق الصحراء )) [1] .

(1) توماس كارليل: الابطال: ص 67-68.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت