أقول الطبيعة أعدل حكم، بلى ما أعدل وما أعقل وما أرحم وما أحلم ، إنك تأخذ حبوب القمح لتجعلها في بطن الأرض ، وربما كانت هذه الحبوب مخلوطة بقشور و تبن وقمامة وتراب ، وسائر أصناف الأقذاء ، ولكن لا بأس عليك من ذلك ، وألق الحبوب بجميع ما يخالطها من القذى في جوف الأرض العادلة البارة فإنها لا تعطيك إلا قمحًا خالصًا نقيًا ، فأما القذى فإنها تبلعه في سكون و تدفنه ، و لانذكر عنه كلمة ، وما هي إلا برهة حتى نرى القمح زاكيًا يهتز كأنه سبائك الإبريز ، والأرض الكريمة قد طوت كشحًا على الأقذاء وأغضت ، بل إنها حولتها كذلك إلى أشياء نافعة ، ولم تشك منها شجوًا ولا نصبًا . وهكذا الطبيعة في جميع شؤونها ، فهي حق لا باطل ، وهي عظيمة وعادلة ورحيمة حنون ، وهي لا تشترط في الشيء ، إلا أن يكون صادق اللباب حر الصميم ، فإذا كان كذلك حمته وحرسته ، أو كان غير ذلك لم تحمه ولم تحرسه ، فترى لكل شيء تحميه الطبيعة روحًا من الحق ، أليس شأن حبوب القمح هذه والطبيعة هو ، وا أسفاه ، شأن كل حقيقة كبرى جاءت إلى هذه الدنيا أو تجيء ، فيها بعد ؟ أعني أن الحقيقة مزيج من حق وباطل نور في ظلام ، وتجيئنا الحقائق في أثواب من القضايا المنطقية و نظريات علمية من الكائنات ، لا يمكن أن تكون تامة صحيحة صائبة ، ثم لا بد من أن يجيء يوم يظهر فيه نقصها وخطأها وجوهرها فتموت وتذهب ، نعم يموت ويذهب جسم كل حقيقة ، ولكن الروح تبقى أبدًا ، ويتخذ ثوبًا أطهر ، وبدنًا أشرف ، وما يزال يتنقل من الأثواب والأبدان ، من حسن إلى أحسن وجيد إلى أجود ، سنة الطبيعة التي لا تتبدل .