إن الرجل حين يقاتل من حوله إنما يقاتلهم بالمئات والألوف . . وقد كان المئات والألوف الذين دخلوا في الدين الجديد يتعرضون لسيوف المشركين ولا يعرضون أحدًا لسيوفهم ، وكانوا يلقون عنتًا ولإ يصيبون أحدًا بعنت ، وكانوا يخرجون من ديارهم لياذًا بأنفسهم وأبنائهم من كيد الكائدين ونقمة الناقمين ، ولا يخرجون أحدًا من داره .
فهم لم يسلموا على حد السيف خوفًا من النبي الأعزل المفرد بين قومه الغاضبين عليه ، بل أسلموا على الرغم من سيوف المشركين ووعيد الأقوياء المتحكمين ، ولما تكاثروا وتناصروا حملوا السيف ليدفعوا الأذى ، ويبطلوا الإرهاب والوعيد ، ولم يحملوه ليبدأوا أحدًا بعدوان أو يستطيلوا على الناس بالسلطان .
فلم تكن حرب من الحروب النبوية كلها حرب هجوم ولم تكن كلها إلا حروب دفاع وامتناع .
أما الإغراء بلذات النعيم ومتعة الخمر والحور العين ، فلو كان هو باعثًا للإيمان ، لكان أحرى الناس أن يستجيب إلى الدعوة المحمدية هم فسقة المشركين وفجرتهم ، وأصحاب الترف والثروة فيهم ، ولكن طغاة قريش هم أسبق الناس إلى استدامة الحياة واستبقاء النعمة . فإن حياة النعيم بعد الموت محببة إلى المنعمين تحبيبها إلى المحرومين ، بل لعلها أشهي إلى الأولين وأدنى ، ولعلهم أحرص عليها وأحن ، لأن الحرمان بعد التذوق والاستمرار أصعب من حرمان من لم يذق ولم يتغير عليه حال .
لم يكن أبو لهب أزهد في اللذة من عمر . . . ولم يكن السابقون إلى محمد أرغب في النعيم من المتخلفين عنه )) [1] .
و بعد أن وقفنا عند منافحة المفكر العربي عباس محمود العقاد عن الرسول ونفي ما جاء به المستشرقون من اتهامات مغرضة ، ونظرات مجحفة ، وأقاويل باطلة نقف عند رد الباحث الإنكليزي توماس كارليل على تلك الفرية التي تذهب إلى أن الإسلام لم ينتشر إلا بحد السيف ، يقول هذا الكاتب المنصف:
(1) عباس محمود العقاد: عبقرية محمد ص 35-36.