فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 304

وسماحة الرسول نحو أعدائه يعز نظيرها في تاريخ العالم . فقد كان عبد الله بن أبي عدوًا للإسلام ، وكان ينفق أيامه ولياليه في وضع الخطط لإيقاع الأذى بالدين الجديد ، محرضًا المكيين واليهود تحريضًا موصولًا على سحق المسلمين . ومع ذلك فيوم توفي عبد الله دعا الرسول ربه أن يغفر له ، بل لقد قدم رداءه إلى أهله كي يكفنوه به . والمكيون الذين أخضعوه وأصحابه ، دائمًا وأبدًا ، لأشد التعذيب بربرية منحهم عفوًا عامًا . وفي إمكان المرء أن يخيل المعاملة التي كان يجدر بفاتح دنيوي النزعة أن يعاملهم بها . ولكن صفح الرسول كان لا يعرف حدودًا . فقد غفر لهم ثلاثة عشر عامًا من الاضطهاد والتآمر . وكثيرًا ما أطلق سراح الأسرى في سماحة بالغة ، رغم أن عددهم بلغ في بعض الأحيان ستة آلاف أسير . وفي رواية عن عائشة أنه لم ينتقم في أيما يوم من الأيام من امرىء أساء إليه . صحيح أنه أنزل العقوبة ببعض أعدائه في أحوال نادرة جدًا ، وفي فترات جد متباعدة . ولكن تلك الحالات كانت تطوى كلها على خيانات بشعة قام بها أناس لم يعد الصفح يجدي في تقويمهم وإصلاحهم . والحق أن ترك أمثال هؤلاء المجرمين سالمين غانمين كان خليقًا به أن يني استحسان الأذى والتشجيع عليه . والرسول لم يلجًا إلى العقوبة قط حيثما كان ثمة مجال لنجاح سياسة الصفح كرادع إن لم نقل كإجراء إصلاحي . ولقد أسبغ عفوه على أتباع الأديان جميعًا _يهود ، ونصارى ، وؤثنيين ، وغيرهم _ إنه لم يقصر إحسانه على أتباع دينه فحسب )) [1] .

الرحمة و العنف

(1) مولانا محمد علي ، ص 269-270.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت