وما كان محمد بعابث قط ، ولا شاب شيئًا من قوله شائبة لعب ولهو . بل كان الأمر عنده أمر خسران وفلاح ، ومسألة فناء وبقاء . ولم يك منه إزاءها إلا الإخلاص الشديد والجد المر . فأما التلاعب بالأقوال والقضايا المنطقية والعبث بالحقائق فما كان من شأنه قط . وذلك عندي أفظع الجرائم إذ ليس هو إلا رقدة القلب ، ووسن العين عن الحق ، وعيشة المرء في مظاهر كاذبة ، وليس كل ما يستنكر من مثل هذا الإنسان هو أن جميع أقواله وأعماله أكاذيب ، بل إنه هو نفسه أكذوبة . ورأى خصلة المروءة والشرف _شعاع الله_ متضائلًا في مثل ذلك الرجل ، مضطربًا بين عوامل الحياة والموت ، فهو رجل كاذب. لا أنكر أنه مصقول اللسان ، مهذب حواشي الكلام ، محترم في بعض الأزمان والأمكنة ، لا تؤذيك بادرته ، لين المس رقيق الملمس ، كحمض الكربون تراه على لطفه سما نقيعًا ، وموتًا ذريعًا )) [1] .
براءة طبعه
لقد اتسمت بساطة الخلق المحمدي ، في سائر مراحل حياته بابتعاده عن الرياء والتصنع ، يعرف تمامًا حق قدره ، فكان عظيمًا في وقفته الشجاعة ، وإرادته الصلبة ، وعزمه الذي لا يلين ، ماضيًا أبدًا إلى ما أرسل إليه . . . يقول توماس كارليل:
(( وإني لأحب محمدًا لبراءة طبعه من الرياء والتصنع . ولقد كان ابن القفار هذا رجلًا مستقل الرأي ، لا يعول إلا على نفسه ، لا يدعي ما ليس فيه . ولم يك متكبرًا ، ولكنه لم يكن ذليلًا ضرعًا . فهو قائم في ثوبه المرقع كما أوجده الله وكما أراد . يخاطب بقوله الحر المبين قياصرة الروم وأكاسرة العجم ، يرشدهم إلى ما يجب عليهم لهذه الحياة وللحياة الآخرة . وكان يعرف لنفسه قدرها ) ) [2] .
كرم الأخلاق و حسن العشرة و صحة الحكم
(1) توماس كارليل: الابطال ، ص 85-86.
(2) المصدر السابق ، ص 85.