فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 304

فأي تنافر يجد النقاد في حياة الرسول ، ليجعلوا من شخصه شخصين وهو يكافح في مكة ولا سلطان له ، ويجاهد في المدينة على رأس الدولة التي خلقها؟ لقد كان همه فيهما جمعيًا إلى اللحظة الأخيرة ، نشر دينه ، وغايته بسط سيادة الإسلام على الشرك .

وأي تناقض يجد نقاده بين حياته في مكة ، وحياته في المدينة ، وهو في الأولى يتوسل بالصبر على الأذى والسخرية ، ويتقى بعرف الجاهلية الموت مع أنه لا يقر ذلك العرف ، ويسعى لهدمه ، ويرسل المؤمنين مهاجرين إلى الحبشة ، ويجادل على دينه ، ويدعو إليه ، ويخرج من كل كارثة برأي صائب ، ويعد لكل حالة تدبيرا محكمًا . وفي الثانية يتخذ من نصرة أهلها تكأة ، فيعاهد اليهود والمشركين ، ويتقي الموت بدرع الدولة التي نظمها وينجو من ( الأحزاب ) بحسن الرأي ، ويغلب المصائب بموفق التدبير؟

ثلاث عشرة سنة قضاها في فم السد ، دون أن يستطيع الأسد أن يطبق عليه أنيابه ، وعشر سنين في المدينة يحاول فيها الأسد أن يمسك بالفريسة ، وفي هذه وتلك يبدي رسول الله من حسن الرأي ، وبارع السياسة والصبر ، وسعة الصدر والتدبير ما يوقع الأسد في شبكت الفريسة ، فإذا ما انتهى إلى النصر الحاسم المعجز ، وبهت الذين كفروا « قالوا: لو أنه لم يقم دولة ولم يقد جيشًا ، لكان النبي الخالص من الشوائب . . لو أن الذين يأخذون على محمد أنه لم يقتصر على حياة الوعظ ، وظنوا أن أكمل له أن يقف عند الجهر بالدعوة حتى يقتل ، ففكروا في مصير الدعوة نفسها ، لشاركونا في الإعجاب به مرشدًا وواعظًا ، ومنظمًا وفاتحًا )) [1] .

الرسول ومجتمع الحرية والعدالة والمساواة

لقد أقام الرسول كقائد سياسي، مجتمع الحرية والمساواة ، بما ينسجم وروح الرسالة الإسلامية. . .

الرسول و مباديء الحرمة الفكرية

(1) عبد الرحمن عزام: بطل الأبطال ، ص 72-74.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت