لو أن الذين يظنون هذا الظن كانوا بعيدي النظر لرأوا محمدًا الواعظ في مكة ، هو محمدًا الناسك في المدينة ، الذي تتورم قدماه من كثرة الوقوف بين يدي الله ، والذي يموت وهو رأس الدولة ، ودرعه مرهونة عند يهودي .
بل لرأوا محمدًا الذي يشيعه العبيد والصبية والسوقة في الطائف بالسخرية والحجارة ويقيمونه إذا جلس من الإعياء فيدعو الله لهم بالهداية هو محمدًا الذي يناول مفتاح الكعبة لعثمان بن طلحة يوم الفتح ويقول: اليوم يوم بر ووفاء .
لو أن هؤلاء الذين جعلوه نبيًا في مكة ، ورجل دولة في المدينة لاحظوا كيف وضعت نواة الدولة في أيام المحنة ، لما حسبوها من غرس يثرب بل علموا أنها نتيجة محتومة للصراع العنيف ، الذي دام ثلاث عشرة سنة ، ونتاج للدعوة من وقت أن قال الله عز وجل: { فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين } .
فذات الرسول التي وقفت في وجه المشركين ثلاثة عشر عامًا بمكة لا تعجز ، ولا تهن ، ولا تيأس ، هي ذاته التي فاضت في المدينة على شؤون الدنيا فدلت على ما فيها من الحيوية والقوى التي جعلتها أهلًا للتغلب على كل معضلة في وقتها ومناسبتها . تلك القوى والصفات التي لم تجتمع لأحد قبله ولا بعده ، جعلته من أية ناحية نظرت إليه كاملا وأسوة حسنة ، بل من مجموع هذه القوى والصفات يبرز للناس رسول الله سواء كان في أيام الدعوة المجردة عن السلطة ، أم في أيام الدعوة المصحوبة بالرياسة الزمنية ، ذاتًا موفقة ناجحة ، انصرفت إلى الله بكليتها فجعلته أمامها ، ووضعت ما عداه وراءها ، هو في كلتا القريتين الناسك العابد ، الباكي بين يدي خالقه ، وهو فيهما الزاهد ، يعرض عليه أصحابه أن يوطئوا له فراشًا ، فيقول: « مالي وللدنيا ، ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح و تركها . .» لم يغره السلطان بشيء من المظاهر ، ولا خرج به عن التواضع والتياسر .