وكثيرا ما يذاع أن محمدًا بين في المرحلة الأولى من دعوته أفكار الإسلام العقيديه الأساسية ، ثم بسط في زمن لاحق طرق العبادة و إقامة الشعائر ، والتشريع الاجتماعي والجزائي ، وجماع الشريعة القرآنية التي قام عليا الإسلام في أوائل عهده . وبعد أن كانت دعوته عربية بشكل أساسي في مكة ، غدت عالمية الطابع في المدينة . وقد أكد النقد التاريخي هذا التكهن بصورة جزئية على صعيد تسلسل الأحداث بمفهومه الدقيق غير أن المسلم يعلل الوقائع بشكل مغاير . فليس للتنزيل بالفعل في نظره مظهران ، مظهر ديني وآخر اجتماعي سياسي . بل هو يتمثله على العكس من ذلك كلا مقدمًا بشكله الإجمالي. واعتمد الإسلام في أول أمره الأناة والإقناع ، وما كان للمرحلة التشريعية أن تتحقق إلا حين تكون جنين مجتمع تضامني ، وعليه يكون هذا المجتمع قد ظهر منطقيًا في مرحلة تالية على مرحلة التبشير بالحياة الأخرى . وفي مكة بدًا الإسلام بإعداد الأفراد - المسلمين الأوائل - الذين كانوا بحاجة ، وهم بعد أقلية مضطهدة ، إلى خلق لا إلى تشريع اجتماعي ما كانوا ليستطيعوا أن يطبقوه . وفيما بعد أقام الإسلام بالمدينة من الأفراد الذين سبق إعدادهم عن طريق الدين مجتمعًا قائمًا على المساواة والتعاون و بادل المنافع ومزودًا نظم أوحى بها من الله أو مستلهمة من نور هدايته . ولا يقلل هذا التسلسل الزمني للأحداث الذي يرسم مسار ولادة المجتمع الإسلامي من طابع الدين الشمولي ، بل هو على العكس يعظم من شأنه )) [1] .
وقد ناقش الباحث العربي الإسلامي عبد الرحمن عزام بعض آراء المستشرقين ، ممن رأوا في الرسول نبيًا في مكة ، ورجل دولة في المدينة بقوله:
(1) مارسيل بوزار: إنسانية الإسلام ، ص 45-46.