ويتحدث الباحث الإنكليزي مونتجمري وات في كتابه « محمد في المدينة » عن عظمة الرسول ومواهبه التي امتاز بها ، وكانت وراء نجاحه وإنجازاته الكبيرة ، فهو إلى جانب موهبته لرؤية المستقبل وإدراكه الواقع الاجتماعي ، ذو ميزتين اثنتين هما: كونه رجل دولة حكيمًا وإداريًا بارعًا ، يقول:
(( وكان محمد - صلى الله عليه وسلم - رجل دولة حكيمًا . ولم يكن هدف البناء الأساسي الذي نجده في القرآن الكريم سوى دعم التدابير السياسية الملموسة والمؤسسات الواقعية . ولقد ألححنا خلال هذا الكتاب غالبًا على استراتيجية محمد السياسية البعيدة النظر وعلى إصلاحاته الاجتماعية . ولقد دل على بعد نظره في هذه المسائل الانتشار السريع الذي جعل من دولته الصغيرة إمبراطورية ، وتطبيق المؤسسات الاجتماعية على الظروف المجاورة واستمرارها خلال أكثر من ثلاثة عشر قرنًا .
وكان محمد - صلى الله عليه وسلم - رجل إدارة بارعًا . فكان ذا بصيرة رائعة في اختيار الرجال الذين يندبهم للمسائل الإدارية ، إذ لن يكون للمؤسسات المتينة والسياسة الحكيمة أثر إذا كان التطبيق خاطئًا مترددًا . وكانت الدولة التي أسسها محمد ، أصبحت عند وفاته ، مؤسسة مزدهرة تستطيع الصمود في وجه الصدمة التي أحدثها غياب مؤسسها ، ثم إذا بها بعد فترة تتلاءم مع الوضع الجديد وتتسع بسرعة خارقة اتساعًا رائعًا )) [1] .
القيادة والتشريع بين مكة والمدينة
هذا ، وكان للاختلاف بطبيعة واقع الحال بين مكة قبل الهجرة وفي المدينة بعدها ، أن ذهب بعض المستشرقين إلى القول بأن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - كان نبيًا في مكة وقائدًا سياسيًا ومشرعًا ورجل دولة في المدينة ، وهذا ما دفع المستشرق الفرنسي بوازار إلى عرض هذه الفكرة ومناقشتها ، بقوله:
(1) مونتجمري وات: محمد في المدينة ، ص 511.