كان محمد رئيسًا للدولة وساهرًا على حياة الشعب وحريته ، وكان يعاقب الأشخاص الذين يجترحون الجنايات حسب أحوال زمانه وأحوال تلك الجماعات الوحشية التي كان يعيش النبي بين ظهرانيها ، فكان النبي داعيًا إلى ديانة الإله الواحد ، وكان في دعوته هذه لطيفًا ورحيمًا حتى مع أعدائه وإن في شخصيته صفتين هما من أجل الصفات التي تحملها النفس البشرية وهما العدالة والرحمة )) [1] .
ولقد تحدث المفكر عبد الرحمن عزام في كتابه: « بطل الأبطال » عن الرسول الحاكم وحسن سياسته وحكمته في تصريف الأمور فقال:
(( صفة عظمى من صفات الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهي مثل لرجال الدولة والسياسة والقادة في جميع ميادين الإصلاح . لعلهم كذلك واجدون فيما ما يمكنهم من النجاح ، فإن محمدًا بما أوتي من الأخلاق ، وما وهب من حسن السياسة ، و تصريف الأمور ، ووضعها في نصابها ، قد أوتي النجاح الذي لم يؤته أحد قبله ولا بعده .
هذه الناحية من حياته يبدو فيها محمد مثلًا عاليًا لرجل الدولة ، وسترون بها ميزة على من سبقه من الأنبياء والرسل والأبطال ، ولقد كانت أكثر وضوحًا في المدينة حيث استلزمت الأحوال أن يكون نبي الأمة وزعيمها وقائدها ، وحيث أخذ التشريع الإسلامي يتناول الحياة السياسية والاجتماعية بتوسع وتفصيل أكثر مما كان في مكة ، حين كانت الدعوة لا تزال في بدايتها ، متجهة بكل قوتها إلى تعريف الناس بالله ، وإنذارهم حسابه وعقابه ، ذلك الفرق بين مظهري الدعوة في بيئتين مختلفتين ، جعل بعض كتاب الملل الأخرى يحاولون أن يصوروا محمدًا في شخصيتين مكي ومدني يقولون هذا نبي ، وهذا رجل دولة وصاحب سلطان )) [2] .
(1) برتلمي سانت هيليار: الشرقيون و عقائدهم ص 39.
(2) عبد الرحمن عزام: بطل الأبطال ، ص 72.