إن دراسة الجوانب السياسية في حياة الرسول ونمط تفكيره ، تقودنا إلى أنه كان إنسانًا عميق التفكير ، قبل مبعثه وفي مرحلة نشر الدعوة الإسلامية في مكة ، ومن ثم في مرحلة تأسيس الدولة الإسلامية الأولى ، وكان دائمًا يجنح للسلم إن هيئت له أسباب إقامة السلام في ربوع أرض العرب .
يقول المفكر البلجيكي هنري ماسيه ( 1820 - 1886 ) في كتابه:
(( إذا بحثنا عن محمد إجماليًا نجده ذا مزاج عصبي و فكر دائم التفكير ونفس باطنها حزن ، وأما مداركه فهي تمثل شخصًا يعتقد بإله واحد ، وبوجود حياة أخرى ، ويتصف بالرحمة الخالصة ، والحزم في الرأي والاعتقاد ، ويضاف إليه أنه رجل حكومة ، وأحيانًا رجل سياسة وحرب ، ولكنه لم يكن ثائرًا بل كان مسالمًا ) ) [1] .
الكفاءة العظيمة والقيادة الفذة
وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - الحاكم ، متميزًا حسب اعتراف المستشرقين بالكفاءة العظيمة والقيادة السياسية الفذة . . . وكانت صفته القيادية بارزة طاغية على سجاياه الأخرى ، يقول المستشرق الإيطالي البنس كايتان في كتابه: « أديان العرب » :
(( أن مزية محمد هي كفاءته العجيبة كسياسي محنك أكثر منه كنبي موحى إليه ، وليس في وسع أحد فهم محمدًا أن يحط من كرامته ، ومن فعل ذلك فقد ظلم نفسه وظلم محمدًا ) ) [2] .
محمد الحاكم العادل والإداري البارع
وتجلت عبقرية الرسول فيما تجلت به بأنه رجل حكم وإدارة من الطراز الرفيع يحسن تدبير شؤون الرعية ، بعيدًا عن الأهواء ، تحركه دائمًا سجيتان في ذاته هما العدل والرحمة ، يقودها عقل راجح يضع الأمور في نصابها . . .
فالإنسان ، النبي والإمام والحاكم، كان يرعى شؤون العامة ويصر على حسن تطبيق العدل على الجميع ، يقول المستشرق الألماني برتلمي سانت هيليار في كتابه: « الشرقيون وعقائدهم » :
(1) هنري ماسيه: حول السلام ، ص 11.
(2) البرنس كايتان: اديان العرب ، ص 34.