لقد تجلت عبقرية محمد - صلى الله عليه وسلم - السياسية في بعد نظره وحكمته في حل المسائل العالقة والشائكة ، وكان يخفي سرها حتى على أقرب المقربين إليه ، حيث يذهب بعضهم إلى معارضته ومحاولة ثنيه عما عزم عليه ... من ثم يدكون بعد حين سداد رأيه وبعد نظره وليس أدل على ذلك من الميثاق الذي عقده مع قريش وعرف فيما بعد باسم « عهد الحديبية » ، الذي ظهر في بادىء الأمر وكأنه يجري لصاح قريش، ومجحف بحق المسلمين ، لكن ما لبثت أن ظهرت خطورة هذا العهد على مشركي قريش أنفسهم فتوسلوا إلى الرسول بصلة الرحم أن يتجاوز ذلك البند الذي كان في الظاهر يجري لصالحهم: إعادة من لجأ إليه هربًا من براثنهم ، ولم يجبهم إلى ذلك إلا بعد أن خطيًا).
سداد السياسي العاقل و نورانية النبي الصادق
إن دارس سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في مختلف أدوار حياته منذ أن صدع بالرسالة ، ودوره العظيم في تبديل واقع الجزيرة العربية المجزأة وتوحيد القبائل العربية ، وإعلاء اسم الله في معقل الوثنية ، قد دللت على بعد النظر لديه وسداد الرأي ، يقول المستشرق الأسوجي كازانوفا ( 1937 - 1903 ) في مؤلفه:"حضارة الشرق":
(( إن التعقل ونضوج الفكر اللذين دل عليهما ، إذ أظهر الآيات الأولى الموحاة إليه ، وحن سياسته في توحيد القبائل العربية رغم الخرافات المتأصلة ، وفي تمييز ما ينبغي الإبقاء عليه من تقاليدها القديمة ، كلها أدلة على أنه كان له في الأمور نظر سديد ، كان يرى الغاية ويسعى إليها بغريزة السياسي العاقل ، ونورانية النبي الصادق على السواء ) ) [1] .
رجل فكر وحكم وسلم وحرب
(1) كازانوفا: حضارة الشرق ، ص 23.