فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 304

لقد أتى على الإنسانية حين من الدهر كانت مجزأة فيه إلى عدة « مقصورات » كتيمة ، إذا جاز التعبير . كانت كل أمة منكمشة على نفسها ضمن تخوم وطنها ، منعزلة كل الانعزال عن سائر الأمم . كانت وسائل المواصلات محدودة . وطبيعي أن لا يتوقع المرء في مثل هذه الأحوال اتساعًا في العقلية كبيرًا . فقد كان استشراف كل أمة مقصورا على بيئتها المباشرة ، فهي تحسب نفسها الكل في الكل . وهكذا لم يكن في مستطاع الحكمة الإلهية إلا أن تبعث إلى كل أمة بنبي مستقل كيفت رسالته وفق حاجاتها وأحوالها الخاصة . ولقد أدى هؤلاء الأنبياء المختلفون مهمتهم الخصوصية: أعني إحياء أمة بعينها . ولكن طاقتهم الروحية كانت ، مثل حقل رسالتهم ، محدودة النطاق . فكانت الشعلة تتوهج فترة من الزمان ثم تخبو شيئًا بعد شيء ، حتى انطفأت آخر الأمر انطفاء كاملًا . وعندئذ كانت الحاجة تنشًا إلى مصلح روحي ينير العصر المظلم . ومن ثم إلى بعثة نبوية إثر بعثة نبوية. ولكن بينا حققت العناية الإلهية مصلحة الإنسان الروحية ، باختيارها الرسل حينًا بعد حين من بين مختلف الأمم ، أدى ذلك إلى نشوء انطباعية شديدة الأذى ، فقد شرعت كل أمة ، لجهلها بما أغدق الله على الأمم الأخرى من أفضال مماثلة ، تعتقد أنها هي شعب الله المختار . وهذا ما غذى الفكرة الضارة القائلة بالمحاباة الإلهية ، وما رافق ذلك من شرور ملازمة . ولتقوم هذا الشعور بالتمييز العنصري ، وإزالة الأحقاد التي خلقتها التخوم الجغرافية والاجتماعية وبعض الحواجز المصطنعة ، ولصهر الإنسانية في كل واحد متراص ، شاءت الحكمة الإلهية أن تبعث نبيًا عالميًا ذا رسالة إلى الجنس البشري كله ، نبيًا لا تتخطى قوته الروحية كل تخم فحسب ، بل تحتفظ فوق ذلك بفعاليتها إلى آخر الدهر أيضًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت