فهرس الكتاب

الصفحة 157 من 304

والواقع أن أيما مصلح لم يجد قط شعبه غارقًا في الدرك الأسفل من الجهالة بقدر ما كان العرب غارقين عند ظهور الرسول . كانوا يجهلون المباديء الحقة في الدين والسياسة والحياة الاجتماعية على حد سواء . ولم يكن لديهم فن عظيم أو علم وافر يتباهون بهما ، لا ولم يكن لهم أي اتصال بسائر أجزاء العالم . وكان التماسك القومي شيئا مجهولًا لديهم ، إذ كانت كل قبيلة من قبائلهم تشكل وحدة مستقلة بينها وبين زميلاتها ما صنع الحداد . وكانت اليهودية قد بذلت قصارى جهدها لإصلاحهم ، ولكن على غير طائل . وكانت النصرانية أيضًا قد أخفقت في محاولات مسائلة. كذلك فشلت حركة الأحناف ، التي نشأت على نحو واهن ، كفشل الحركتين السابقتين ، وتلاشت من غير أن تخلف أيما أثر في المجتمع العربي . وإنما بعث الرسول الكرم لانتشال شعب كهذا الشعب الضائع من وهدة الجهالة . فما هي غير سنوات معدودات حتى محا جميع ضروب الفساد الديني والأخلاقي والاجتماعي الراسخة الأصول في بلاد العرب ، و حتى خلق تربة تلك الديار - إذا جاز التعبير - خلقًا آخر . لقد حل أصفى شكل من أشكال الوحدانية محل صنوف الخرافات واشكال الوثنية المنحطة . فإذا بأبناء الصحراء نصف البرابرة أنفسهم يفعمون بحمية جديدة لقضية الحق إفعامًا حملهم إلى أقاصي العالم ليؤدوا رسالة الله . وفي ما يتصل بعبادة الخالق ، بزوا أعظيم الزهاد والنساك ، من غير أن يرفضوا العالم أو يتخلوا عنه . فما إن يطرق الأذان مسامعهم في غمرة من حياتهم اليومية الناشطة ، حتى يطرحوا همومهم الدنيوية ويسجدوا خاشعين للرب . وكانوا ينفقون معظم لياليهم في عبادة الله . وهكذا فقد كانوا ، برغم وجودهم في هذا العالم ، منفصلين عن هذا العالم . وبالتالي فإن صلواتهم كان يلازمها دائمًا إيمان حي لم يعرفه أيما ناسك معتزل في صومعته البتة )) [1] .

صلاحية الإسلام لكل الأمم

(1) مولانا محمد علي: حياة محمد و رسالته ، ص 279.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت