أما موقعة خيبر فقد حدثت بعد صلح الحديبية ، في السنة السابعة للهجرة ولكنا لا نحسب ، بقدر ما يتعلق الأمر بأثرها في العلاقات الإسلامية اليهودية ، أن من الخروج عن الموضوع أن نتحدث عنها في هذا الفصل . فحين نفي بنو النضير من المدينة نزلت كثرتهم الكبرى وبخاصة زعماؤهم وأعيانهم ، في خيبر ، معقل اليهود في بلاد العرب ، على مبعدة مئتي ميل تقريبًا ، من المدينة. وكان اليهود ينعمون ثمة بسلطان مستقل ، وكانوا قد حصنوا الموقع تحصينًا قويًا . حتى إذا وفد عليم بنو النضير غرست بذرة العداوة للإسلام في قلوبهم. وما إن نشبت معركة الأحزاب حتى راحوا يحرضون المكيين ، وقبيلة غطفان ، والقبائل البدوية ، على المسلمين بل لقد وفقوا إلى اكتساب تعاون بني قريظة أيضًا . ورسخت جذور القوة الإسلامية في المدينة بعد إخفاق حملة الأحزاب . ولكن الحقد اليهودي لم يزدد إلا ضراوة ، لقد أجروا مفاوضات سرية مع عبد الله ابن أبي ، زعيم المنافقين الذي حكم لهم توكيدًا جازمًا أنه لا يزال في إمكانهم محق القوة الإسلامية )) [1] .
وكان لصلح الحديبية الذي، عقد بين الرسول ومشركي قريش أن سرع في تطور الأحداث ، إسقاط آخر قلاع اليهودية في جزيرة العرب ... لقد اعتقد يهود خيبر أن هذا الصلح الذي عقد بشروط مجحفة بحق المسلمين ، يشكل دليلًا على ضعفهم ... فراودتهم الآمال بالقضاء على الدولة الإسلامية في المدينة قضاء تامًا . وذلك بتحالفهم مع قبيلة غطفان ، يقول جيورجيو:
(( حين علم سكان خيبر أن المسلمين عقدوا هدنة مع أهل مكة صمموا على حربهم وحدهم ، وذلك بأن يهاجموا المدينة بصورة خاطفة . ولكن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - أعد ألفًا وخمسمئة محارب لحرب خيبر، في حين أن اليهود يستطيعون تجهيز عشرين ألف مقاتل ) ) [2] .
(1) مولانا محمد علي: حياة محمد و رسالته ص175-176.
(2) ك.جيورجيو: ص 329.