وهكذا حكم سعد ، وفقًا للشريعة الموسوية ، بقتل ذكور بني قريظة ، وعددهم ثلاثمئة ، وبسبي نسائهم وأطفالهم ، وبمصادرة ممتلكاتهم . ومهما بدت هذه العقوبة قاسية فقد كانت على وجه الضبط العقوبة التي كان اليهود ينزلونها ، تبعًا لتشريع كتابهم المقدس ، بالمغلوبين من أعدائهم ، وإلى هذا فإن جريمة الغدر الشائنة التي اتهم بها بنو قريظة خليق بهم ، في مثل تلك الظروف ، أن لا تجازى بأيما عقوبة أخف ، حتى في عصر المدنية هذا. كان القاضي من اختيارهم ، وكان الحكم منطبقًا أشد انطباق مع شريعتهم المقدسة نفسها . وفوق ذلك ، فقد أدينوا بخيانة من نوع خطير . فهل من المنطق في شيء أن ينتقد الرسول لهذا السبب ؟ إن كل اعتراض على قسوة هذه العقوبة هو اعتراض على الشريعة الموسوية. إنه في الواقع انتقاد لا شعوري لتلك الشريعة ، و تسليم بأن شريعة أكثر إنسانية يجب أن تحل محلها ، وأيما مقارنة بالشريعة الإسلامية في هذا الصدد خليق بها أن تكشف ، في وضوح بالغ ، أي قانون رفيق عطوف ، رحيم قدمه الإسلام إلى الناس )) [1] .
وكان من نتائج تصفية بني قريظة ، القضاء التام على السلطة اليهودية في المدينة ، و توطيد السلطة الإسلامية فيها دينيًا وسياسيًا واقتصاديًا ، كما أخذ دورها يكبر على القبائل الوثنية في جزيرة العرب ، التي أخذت تحسب للمسلمين ألف حساب ...
صلح الحديبية
ونتيجة للعمليات العسكرية التي حققت فيما الدعوة الإسلامية النصر تلو النصر ، ظهرت كقوة بارزة مركزها المدينة ، إنما تمتد ذراعها إلى أبعد نقطة في الجزيرة العربية ، وتوجت عمليًا بصلح الحديبية بين المسلمين وقرشيي مكة ... وذلك حين أتتخذ الرسول عليه السلام قراره الخطير بذهابه إلى مكة مسلمًا معتمرًا ...
لقد كانت هذه الحركة مفاجأة ليس للمشركين فحسب ، بل للمسلمين كذلك ، يقول الباحث العسكري الروماني جيورجيو:
(1) مولانا محمد علي: حياة محمد و رسالته ، ص 175.