سار الإسلام لكي يصبح قوة عالمية على سياسة بارعة ، ففي العصور الأولى لم يكن اعتناقه أمرًا محتومًا فإن المؤمنين بمذاهب التوحيد أو الذين يستمدون شرائعهم من كتب منزلة كاليهود والنصارى والزرادشتية كان في وسعهم متى دفعوا ضريبة الرأس ( الجزية ) أن يمتعوا بحرية الشعائر وحماية الدولة الإسلامية ، ولم يكن واجب الإسلام أن ينفذ إلى أعماق أرواحهم أنما كان يقصد إلى سيادتهم الخارجية . بل لقد ذهب الإسلام في هذه السياسة إلى حدود بعيدة ، ففي الهند مثلًا كانت الشعائر القديمة تقام في الهياكل و المعابد في ظل الحكم الإسلامي )) [1] .
حجة الوداع
كان الإسلام يتوطد بقوة وثبات ، و تطهرت البلاد من الوثنية إلى الأبد ، وأدرك الرسول أنه قد أدى الرسالة ، وأتم الأمانة بنشر دعوة التوحد حين دانت له جزيرة العرب وانضوت تحت الراية الإسلامية الظافرة .
وفي حجة الوداع ، التي اجتمع فيها مئة وأربعة وعشرون ألف مسلم قصدوا البيت الحرام في مكة من سائر أرجاء الجزيرة العربية ، خطب فيهم الرسول خطبته الأخيرة التي عرفت باسم خطبة حجة الوداع ، والتي أعلن فيا بعد أن نزل عليه الوحي الإلهي { اليوم أكملت لكم دينكم ، وأتممت عليكم نعمتي ، ورضيت لكم الإسلام دينًا } ، أعلن أن الشيطان قل يئس أن يعبد بأرضكم هذه أبدًا ، ولكنه رضي أن يطاع فيها سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم . . .
وقال في خطبته: أيها الناس اسمعوا قولي واعقلوه: تعلمن أن كل مسلم أخو المسلم ، وأن المسلمين أخوة ، فلا يحل لامرىء من أخيه ، إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه ، فلا تظلمن أنفسكم .
وقال: اللهم هل بلغت ؟ فأجاب المسلمون: نعم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - « اللهم فاشهد » .
(1) جولد تسهير ( نقلا عن كتاب النظام السياسي في الاسلام ، ص 21.