ثُمَّ يَقُولُونَ لَهُمْ مُوَبِّخِينَ مُقَرِّعِينَ ، وَهُمْ يَلْفِتُونَ أَنْظَارَهُمْ إِلَى أَهْلِ الجَنَّةِ الذِينَ كَانُوا يَسْخَرُونَ مِنْهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا ، وَيَسْتَبْعِدُونَ أَنْ يُصِيبَهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ: أَهَؤُلاَءِ الذِينَ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لَنْ يَرْحَمَهُمْ؟ ألاَ تَرَوْنَ مَا قِيلَ لَهُمْ بِأَمْرِ اللهِ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلاَمٍ ، لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَسْتَقْبِلُونَهُ مِنْ أَمْرِكُمْ ، وَلاَ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ عَلَى مَا خَلَّفْتُمْ وَرَاءَكُمْ فِي الدُّنْيَا .
يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ ذِلَّةِ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي ذَلِكَ المَوْقِفِ العَظِيمِ ، وَسُؤَالِهِمْ أَهْلَ الجَنَّةِ أَنْ يُعْطُوهُمْ شَيْئًا مِنْ شَرَابِهِمْ وَطَعَامِهِمْ ، فَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الجَنَّةِ: إِنَّ اللهَ حَرَّم ذَلِكَ عَلَى الكَافِرِينَ .
وَوَصَفَ أَهْلُ الجَنَّةِ هَؤُلاَءِ الكَافِرِينَ ، الذِينَ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمُ المَاءَ وَالطَّعَامَ ، بِأَنَّهُمْ: الذِينَ اتَّخَذُوا الدِّينَ لَهْوًا وَلَعِبًا ، وَاغْتَرُّوا بِالدُّنيا وَزِينَتِهَا وَزُخْرُفِها ، فَانْصَرَفُوا إِليها ، وَتَرَكُوا مَا أَمَرَهُمُ اللهُ بِهِ مِنَ العَمَلِ لِلآخِرَةِ .
وَكَمَا نَسِيَ هَؤُلاَءِ دِينَهُمْ وَمَا أَمَرَهُمْ بِهِ رَبُّهُمْ ، وَكَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَجَحَدُوا بِهَا ، فَإِنَّ اللهَ يُعَامِلُهُمْ مُعَامَلَةَ الشَّيءِ المَنْسِيِّ ، الذِي لاَ يَبْحَثُ عَنْهُ أَحَدٌ ، وَيَنْسَاهُمْ فَلا يُجِيبُ دُعَاءَهُمْ ، وَيَتْرُكُهُمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يُعَذَّبُونَ .
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ} الآيَةُ ، قَالَ: يُنَادِي الرَّجُلُ أَخَاهُ ، وَيُنَادِي الرَّجُل الرَّجُلَ فَيَقُولُ: إنِّي قَدَ احْتَرَقْت فَأَفِضْ عَلَيَّ مِنَ الْمَاءِ ، قَالَ: فَيُقَالَ له: أَجِبْهُ ، فَيَقُولُ: إنَّ اللَّهَ حرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ. [1]
عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ:"يُنَادِي أَهْلُ النَّارِ أَهْلَ الْجَنَّةِ فَلَا يُجِيبُونَهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ يَقُولُ: أَجِيبُوهُمْ وَقَدْ قَطَعَ الرَّحِمَ وَالرَّحْمَةَ . فَيَقُولُ أَهْلُ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ النَّارِ عَلَيْكُمْ غَضَبُ اللَّهِ يَا أَهْلَ النَّارِ عَلَيْكُمْ لَعْنَةُ اللَّهِ يَا أَهْلَ النَّارِ ، لَا لَبَّيْكُمْ , وَلَا سَعْدَيْكُمْ مَاذَا تَقُولُونَ ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ نَكُ فِي الدُّنْيَا آبَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ وَعَشِيرَتَكُمْ ؟ فَيَقُولُونَ: بَلَى . فَيَقُولُونَ: أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ". [2]
(1) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 13 / ص 369) (35918) صحيح
(2) - تفسير الطبري - (ج 19 / ص 75) ( 23446 ) وهو معضل