فهرس الكتاب

الصفحة 232 من 346

وقوله تعالى: «كَلَّا .. إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ » .هو توكيد لهذا الرّين الذي غطى قلوبهم ، وأنه قد صحبهم إلى الآخرة ، فحجبهم اللّه سبحانه وتعالى عن رؤيته ، وعن موقع رحمته وإحسانه ، كما حجبوا هم أنفسهم بآثامهم عن رؤية الحقّ في الدنيا.

وقوله تعالى: « ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ ، ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ » .أي وليس حجبهم عن اللّه سبحانه وتعالى في الآخرة ، وبعدهم عن مواقع رحمته ، هو كل جزائهم في الآخرة ، وإن كان جزاء أليما ، وعقابا زاجرا ، بل إن وراء هذا نارا تلظّى ، يلقون فيها ، ويكونون حطبا لها .. ثم لا يتركون هكذا للنار تأكلهم ، وترعى في أجسامهم ، بل ينخسون بهذه القوارع ، بما يرجمون به من كل جانب ، من ملائكة جهنم وخزنتها بقولهم لهم: « ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ » فذوقوه لتعلموا إن كان ما كذبتم به حقا أو غير حق ، واقعا أو غير واقع: « فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا » ؟ (44: الأعراف) [1]

لقد حجبت قلوبهم المعاصي والآثام ، حجبتها عن الإحساس بربها في الدنيا. وطمستها حتى أظلمت وعميت في الحياة .. فالنهاية الطبيعية والجزاء الوفاق في الآخرة أن يحرموا النظر إلى وجه اللّه الكريم ، وأن يحال بينهم وبين هذه السعادة الكبرى ، التي لا تتاح إلا لمن شفت روحه ورقت وصفت واستحقت أن تكشف الحجب بينها وبين ربها. ممن قال فيهم في سورة القيامة: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ، إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ» ..

وهذا الحجاب عن ربهم ، عذاب فوق كل عذاب ، وحرمان فوق كل حرمان. ونهاية بائسة لإنسان يستمد إنسانيته من مصدر واحد هو اتصاله بروح ربه الكريم. فإذا حجب عن هذا المصدر فقد خصائصه كإنسان كريم وارتكس إلى درجة يستحق معها الجحيم: «ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ» .. ومع الجحيم التأنيب وهو أمرّ من الجحيم: «ثُمَّ يُقالُ: هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ» !! [2]

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1493)

(2) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (6 / 3858)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت