سادتهم عليهم .. وحقّا إنهم لم يقسروهم قسرا على الكفر ، ولكنهم أغروهم به إغراء ، بما يملكون من وسائل الإغراء ، وفى أيديهم المال ، والجاه والسلطان ، وكلها قوى ذات سلطان على الناس!
وقوله تعالى: « وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ » .. أي وحين طلع عليهم العذاب ، وجموا كلّهم وخرسوا ، ولم ينبس أحد منهم جميعا ببنت شفة ، وانجبست الكلمات في صدورهم ، وقد كان فيها متنفس لهم ، وأمل يتعلقون به ..الضعفاء ليلقوا بالتهمة كلها على كبرائهم ، والكبراء ليدفعوا هذه التهمة عنهم ، وحسبهم جنايتهم على أنفسهم .. وهكذا ازدرد الجميع هذه الكلمات التي كانوا يلوكونها في أفواههم ، ثم يرمى بها بعضهم بعضا ، فأصبحت سهاما يرمى بها كل منهم في داخل نفسه ، فتدمى القلوب ، وتفرى الأكباد!" [1] "
ذلك كان قولهم في الدنيا: «لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ» .. فلو ترى قولهم في موقف آخر.
لو ترى هؤلاء الظالمين وهم «مَوْقُوفُونَ» على غير إرادة منهم ولا اختيار إنما هم مذنبون بالوقوف في انتظار الجزاء «عِنْدَ رَبِّهِمْ» .. ربهم الذي يجزمون بأنهم لن يؤمنوا بقوله وكتبه. ثم ها هم أولاء موقوفون عنده! لو ترى يومئذ لرأيت هؤلاء الظالمين يلوم بعضهم بعضا ، ويؤنب بعضهم بعضا ، ويلقي بعضهم تبعة ما هم فيه على بعض: «يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ» .. فما ذا يرجعون من القول؟
«يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا: لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ» ..فيلقون على الذين استكبروا تبعة الوقفة المرهوبة المهينة ، وما يتوقعون بعدها من البلاء! يقولون لهم هذه القولة الجاهرة اليوم ولم يكونوا في الدنيا بقادرين على مواجهتهم هذه المواجهة. كان يمنعهم الذل والضعف والاستسلام ، وبيع الحرية التي وهبها اللّه لهم ، والكرامة التي منحها إياهم ، والإدراك الذي أنعم به عليهم.
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (11 / 824)