وفى هذا الموقف من مواقف الملاحاة ، يسأل التابعون سادتهم ورؤساءهم الذين كانوا أصحاب الكلمة عليهم في الدنيا ـ يسألونهم أن يخففوا عنهم شيئا من هذا العذاب الذي هم فيه .. فقد كان هؤلاء السادة مفزعهم في الدنيا ، يفزعون إليهم ، ويحمون ضعفهم بقوتهم .. إنهم أقوى منهم قوة ، وأقدر على احتمال الثقال من الأمور .. وهذه جهنم وأهوالها ، .فهل يجد الضعفاء في قوة الأقوياء ، معينا يحمل عنهم بعض ما حملوا ؟ .
« قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها .. إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ » ..وهل لأحد بهذا البلاء يدان ؟ إن قوة الأقوياء لا تقوم بحمل بعض ما ألقى عليها من عذاب ، فهل هم في حاجة إلى مزيد منه ؟ .
وفى قوله تعالى: « إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ » ـ إشارة إلى أن كلّا من التابعين والمتبوعين قد لقى الجزاء الذي يستحق .. فالذى حكم بينهم هو اللّه سبحانه وتعالى ، وقضاؤه الفصل ، وحكمه العدل .. وأنه إذا كان المتبوعون قد غرروا بأتباعهم ، وساقوهم سوقا إلى الكفر ، فإنهم قد نالوا ما يستحقون من عذاب فوق ما نال أتباعهم ، وفى هذا يقول اللّه تعالى: « وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ » (13: العنكبوت) .
قوله تعالى: « وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذابِ » .وإذ ييأس أهل النار من أن يغنى بعضهم عن بعض شيئا ، فإنهم يمدون أيديهم إلى خزنة جهنم ، وإلى حراس هذا السجن الجهنمى المطبق عليهم ، يسألونهم أن يدعوا ربهم ، ويسألوه تخفيف العذاب عنهم ، ولو يوما واحدا ، ليجدوا نسمة من نسمة الحياة ، تدخل إلى صدورهم المكظومة بلهيب السعير! ..
« قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ ؟ قالُوا بَلى ! قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ » .ويلقى خزنة جهنم أصحاب النار بهذا السؤال ، ردّا على طلبهم: « أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ » ؟ أو لم يبعث اللّه فيكم رسلا ؟ وألم يحمل إليكم الرسل بين أيديهم آيات بينات من عند اللّه ، تكشف لكم الطريق إلى الحق والهدى ؟ « قالوا بلى! » قد جاءنا رسل ربنا بالحق!.