فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 346

والتنديد بكتمان ما أنزل اللّه من الكتاب كان المقصود به أولا أهل الكتاب. ولكن مدلول النص العام ينطبق على أهل كل ملة ، يكتمون الحق الذي يعلمونه ، ويشترون به ثمنا قليلا. إما هو النفع الخاص الذي يحرصون عليه بكتمانهم للحق ، والمصالح الخاصة التي يتحرونها بهذا الكتمان ، ويخشون عليها من البيان. وإما هو الدنيا كلها - وهي ثمن قليل حين تقاس إلى ما يخسرونه من رضى اللّه ، ومن ثواب الآخرة.

وفي جو الطعام ما حرم منه وما حلل ، يقول القرآن عن هؤلاء: «ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ» ..

تنسيقا للمشهد في السياق. وكأنما هذا الذي يأكلونه من ثمن الكتمان والبهتان نار في بطونهم! وكأنما هم يأكلون النار!

وإنها لحقيقة حين يصيرون إلى النار في الآخرة ، فإذا هي لهم لباس ، وإذا هي لهم طعام! وجزاء ما كتموا من آيات اللّه أن يهملهم اللّه يوم القيامة ، ويدعهم في مهانة وازدراء والتعبير القرآني عن هذا الإهمال وهذه المهانة وهذا الازدراء هو قوله: «لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ» ..

لتجسيم الإهمال في صورة قريبة لحس البشر وإدراكهم .. لا كلام ولا اهتمام ولا تطهير ولا غفران .. «وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» ..

وتعبير آخر مصور موح: «أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ» ..

فكأنما هي صفقة يدفعون فيها الهدى ويقبضون الضلالة! ويؤدون المغفرة ويأخذون فيها العذاب .. فما أخسرها من صفقة وأغباها! ويا لسوء ما ابتاعوا وما اختاروا! وإنها لحقيقة. فقد كان الهدى مبذولا لهم فتركوه وأخذوا الضلالة. وكانت المغفرة متاحة لهم فتركوها واختاروا العذاب ..

«فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ!» ..فيالطول صبرهم على النار ، التي اختاروها اختيارا ، وقصدوا إليها قصدا.

فياللتهكم الساخر من طول صبرهم على النار!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت