فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 287

بسم الله الرحمن الرحيم

إعداد: خليل بن إبراهيم أمين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أنا- يا ابنتي- رجل خبرت الحياة وخبرتني، وعاركت الأيام وعاركتني، وصارعت الليالي وصارعتني، وسحت في الديار شرقها وغربها، وتعاملت مع النفوس شريفها ووضيعها، فخذي مني نصيحة أب مشفق، يحب لك الخير ويتمنى لك الرفعة، نصيحة من يرى كرامتك وشرفك ورفعتك أعز وأغلى عليه من نفسه التي بين جانحتيه.

إي والله- يا بنتي- هذا هو شعور أي أب نحو ابنته، فخذيها واقبليها وضعيها نصب عينيك، لأني أرى سهامًا نحوك مرصودة قد أصابت حرابها، وأرى شباكًا حولك منصوبة قد امتلأت فخاخها، وأرى التراءي بالرذيلة قد جرت ثيابها، وأرى البراءة من الفضيلة قد اتسع خرقها، وأرى حولك قلوبًا من الرحمة قد اقفرت، وأرى أمامك عيونًا عن البكاء قد جمدت، وأرى بونًا شاسعًا بين دخائل القلوب وملامح الوجوه، وأرى كذب الأسماء عن حقائقها، فالإجرام والفجور فتوة، والتبذل والتفسخ حرية، والرذيلة فنًا، والربا فائدة، وأم الخبائث- الخمر- مشروبًا روحيًا، والانحلال حضارة، ألا ساء ما يزرون،

كل هذا- يا ابنتي- لكي يستمتع بجسدك الطاهر ودمائك النقية ذئاب، بك متربصة، قد سخروا أقلامًا غلب جهلها على علمها، لبست لك ثياب النصح والإرشاد، فأقبلوا يخلطون بالبيان شبهًا، وبالدواء سمًا نقاعًا، وبالسبيل الواضح جردًا مضلًا، فالجلود جلود الضأن، والقلوب قلوب الذئاب، فترى وتسمع منهم حشفًا وسوء كيله، قد بيتوا أمرًا تكالبوا عليه مجمعين على غير هدى ولا مثال سابق حتى وقع الحافر على الحافر، ألا ساء ما يزرون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت