أبو عمر: إنما يسقط الضمان نهارًا عن أرباب الماشية إذا أطلقت دون راع، وإن كان معها راع فلم يمنعها ويقدر على دفعها؛ فهو كالقائد والراكب.
الباجي: المواضع عندي على ثلاثة أضرب:
ضرب: تتداخل فيه المزارع والمراعي، فهو الذي تقدم ذكره.
وضرب: تنفرد المزارع والحوائط ليس بمكان مسرح، هذا لا يجوز إرسال المواشي فيه وما أفسدت فيه ليلًا أو نهارًا، فعلى أربابها.
وقد قال أَصْبَغ في المدنيَّة: ليس لأهل المواشي أن يخرجوها إلى قرى الزرع بغير ذائد، وعليهم أن يذودوها عن الزرع، فإذا بلغوا المراعي سرحوها، فما ند منها إلى الزرع والجنات، فعلى أصحاب الزرع والجنات دفعه.
وضرب: جرت عادة الناس بإرسال مواشيهم فيه ليلًا ونهارًا، فأحدث فيه رجل زرعًا من غير إذن الإمام في الإحياء؛ فلا ضمان على أهل المواشي فيه ليلًا أو نهارًا، وإن كانت الدواب تكثر في الزرع فتفسده، فحفر رب الزرع حوله حفيرًا لمكان الدواب، فوقع بعضها فيه فمات.
فروى أَصْبَغ عن مالك وابن القاسم: لا شيء عليهم، ولو لم ينذرهم، وانظر ما الفرق بينه وبين من يحفر للسارق زبية فيقع فيها.
قُلتُ: هو سمَاع أَصْبَغ ف يكتب الأقضية.
ابن رُشْد: وهذا كما قال؛ لأنه إنما فعل ما يجوز له أن يفعله في أرضه تحصينًا على زرعه لا لإتلاف دواب الناس، ولو فعل ذلك لإتلافها ضمنها، على قوله في المدَوَّنة: فيمن يصنع بداره شيئًا ليتلف فيه السارق، ووقعت المسألة الأولى في رسم الأقضية لابن غانم في سمَاع أشهب.
قال ابن رُشْد: وإنما يسقط الضمان على رب المواشي إذا أخرجها عن جملة الزرع والحوائط بذائد إلى مرعاها، فشرد منها شيء ورجع إلى الزرع والحوائط، فأفسد دون تضييع ولا تفريط، ولو أهملها بين الزرع والحوائط دون راعٍ أو براع فضيع أو فرط، فهو ضامن أعني الراعي؛ لأنه المضيع لا رب الماشية إذ ليس عليه أكثر مما ضيع.