إن الإشكالية المالية والسياسية والفكرية والأمنية والتنظيمية والأخلاقية والروحية هي كلٌ متحدٌ يتفاعل بشكل دائم ومستمر، ليشكل هذه الحالة من الضعف التي تمكن للموساد من تنفيذ عمليات الاغتيال والنجاح في هذه الحرب.
وإذ نقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة، فلا بد من إعادة النظر من جديد لحل هذه الإشكاليات عبر امتلاك نظرية تنظيمية متماسكة والاقتراب أكثر من جماهيرنا بتبني عقيدة وأيديولوجية الأُمة، وتغليب السري على العلني، وصياغة توجهنا وخطابنا بما تمليه عليه رسالتنا والمقدس الثابت، وإعادة الاعتبار للإنسان المناضل والأسير والشهيد، والاستفادة من دروس وعبر تجربة عمرها لا يقل عن ثلاثة عقود، والخروج من أسر الحرب الدفاعية إلى الممارسة الهجومية.
ما قبل الساعة الأخيرة
هذه الدراسة محاولة لتقييم جانب من مرحلة مضت، ولكنها لم تنته واستشهاد هاني عابد، ومجزرة مسجد فلسطين، واعتقال مئات الإسلاميين والعشرات من أنصار الاتجاه الوطني في سجون عرفات هي إحدى الإرهاصات الأولية لسمات مرحلة جديدة ندخل لها عبر بوابات اتفاقيات أوسلو- القاهرة، إثر العمليات الاستشهادية في كل مكان، ومنها العملية الاستشهادية في الحافلة الإسرائيلية في شارع ديزنغوف في تل أبيب وعملية نتانيا أعلن الجنرال الإرهابي المخادع اسحق رابين بأنه وأجهزة كيانه سيلاحقون القتلة من حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله أينما كانوا، وحيثما وجدوا، وكان بذلك يعطي الضوء الأحمر لبداية مرحلة التصفيات.
هناك دماء كثيرة سالت في حرب الاغتيالات التي خاضتها الموساد ضد شخصيات م. ت. ف، ولم تجد الموساد صعوبة وهي تقتل ما يقرب من 40 مناضلًا في الخارج من خلال استثمار قوتها في ضرب نقاط ضعفنا، وكان يمكن تدارك كثير من هذه الدماء ولكن القوانين التي تحكم حركة الصراع هي النافذة في نهاية المطاف.
والآن بعدما انسحب عرفات وفريقه من ساحة الصراع، وتحولوا إلى أداة أمنية تنفذ الاتفاقيات والاملاءات الصهيونية، فإن الصراع يتشكل من جديد لتقف الموساد في جانب، والقوى الإسلامية والثورية في جانب آخر، في حرب مفتوحة على احتمالات كثيرة، سيحكم نتيجتها في ساحات المعارك وساحات الاغتيال، قدرتنا من استيعاب عبر التاريخ في تجربة م. ت. ف، والتزامنا بالقوانين الربانية، ونقل الصراع إلى ساحة الأعداء.
لقد سقط هاني عابد، وفؤاد مغنية، وما زالت في صفوف الحركة الإسلامية والقوى الثورية بعض الثغرات التنظيمية والأمنية والإدارية، التي تحتاج إلى ترتيب من جديد، فمعركة الدماء قادمة، ونحن لا نبكي الشهداء، ولكننا نبكي الأحياء الذين إن لم يستقيموا على الطريقة فعليهم انتظار شهادة الوفاة.