ولكن هذه الدراسة واجهت عدة إشكاليات والتباسات؛
أولاها: أن أسلوب الغدر والقتل غيلة لا يخضع لقاعدة؛ حيث أن القاتل يتفادى الانكشاف وافتضاح أمره، فيعمد إلى السرية في التنفيذ، ويعتمد على عنصر المفاجأة. صحيح أن المعركة تعتمد بعمومها على المفاجأة، ولكنها علنية في التنفيذ، وتفقد عنصر المفاجأة بعد بدايتها، ولا تترك لنا دروسًا نستخلصها منها، ومجالًا لدراسة الأساليب التي أستخدمت فيها، إنما الأساليب المتبعة في الاغتيالات تظل سرًا، حتى بعد تنفيذها، فنادرًا ما يتم انكشاف المنفذين والتحقيق معهم وعادة ما تميل الأجهزة الأمنية إلى عدم نشر نتائج دقيقة للتحقيق في مثل هذه الحالات لأسباب تتعلق بسرية الحروب التي تدور بين الأجهزة الأمنية المختلفة، وكون هذه الأساليب من أسرار المهنة التي تحرص الأجهزة الأمنية على اختلافها ألا تنكشف.
وثانيها: أن هذه الدراسة تتناول فترة زمنية فسيحة تبدأ بمصطفى حافظ الذي اغتيل في الخمسينات وتنتهي بفؤاد مغنية الذي استشهد في ديسمبر 1994م، وبينهما ما يزيد على الأربعين عامًا. وهي فترة اختلفت فيها الظروف والوقائع السياسية والأفكار والدوافع والطرق والأهداف، بل اختلفت فيها معسكرات الأصدقاء والأعداء، وهذا هو الأهم، فليس خافيًا أن الصراع الذي كان دائرًا بين شبكة المخابرات السوفييتية وبين الأميركية حكمته تقاليد وعادات في إدارة المعركة أثرت على ثورتنا وأسلوب معالجتها لحرب الاغتيالات. ومع سقوط الاتحاد السوفييتي أصبحت الخيارات محدودة والأساليب الواجب اتباعها في إدارة المعركة بحاجة إلى ابتداع واكتشاف، أو على الأقل غير مجربة وغير مدروسة بما فيه الكفاية وربما كانت هذه المشكلة حافزًا جديدًا لإنشاء مثل هذه الدراسة.
وثالثها: اتساع الرقعة الجغرافية التي ذهب فيها شهداؤنا ومناضلونا صرعى حرب الاغتيالات، من غزة إلى أوسلو مرورًا ببيروت وباريس وقبرص وروما وأثينا وتونس.
ورابعها: الفرو قات بين الشهداء والمناضلين أولئك جميعًا، وهي فروقات في نمط التفكير والثقافة والفكر والأيديولوجيا والتعبئة والأهداف ونمط السلوك اليومي وطريقة الحياة، أي أنهم لم يكونوا يشتركون في صفات تجعل دراستنا قادرة على تحديد السمات الجامعة بينهم، بحيث نتمكن من تحديد نمط سلوك مفترض لاتقاء شر الغدر الصهيوني، أو تحديد آليته لتجنب خطط الاغتيال الممكن تحديدها.
ولكننا سنحاول الإلمام بالمشترك في سلوك هؤلاء، وضبط المتغيرات على ثابت أساسي في القوانين التي تتحكم بحركة الصراع، وعدم فسح المجال لعنصر المفاجأة ليباغتنا ونحن عنه ذاهلون.