فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 53

لقد قدمت القوى الفلسطينية عبر مسيرتها مجموعة رؤى لصياغة الموقف من البنية التنظيمية، مثل التنظيم الجماهيري أو الطليعة أو النخبة أو فريق العمل، ولكن أغلب هذه المفاهيم رسخت النهج الفردي على المفهوم، والمركزية على الديمقراطية، وبدلًا من تقديم نظرية تنظيمية لبناء جسم الحركات الثورية، استعيض عن غياب النظرية وعدم امتلاكها بمجموعة مهارات إدارية أو فكرية أو سياسية، وحاولت القيادات بهذه المهارات والقدرات تغطية العجز الأساسي من خلال الإسراع بتأسيس أجهزة إدارية ديكورية، وبذلك لم تحل كثير من هذه الإشكاليات المتراكمة والتي أدت في نهاية المطاف أن تشهد القوى الثورية صراعات داخلية حادة وانشقاقات وليدة حملت راية الثورة والتغيير والإصلاح، تم التعامل مع كثير من رموزها بالتصفية الجسدية والاغتيالات، والارتهان إلى أجهزة مخابرات، فغاب الثوري، وبرز المتآمر، وغابت الحقائق، وظل الموقف من تداول السلطة، ومن الزعيم، والموقف من الديمقراطية الداخلية ومن قنوات النقد، الموقف من القضاء المستقل، الموقف من الشهداء والأسرى والمناضلين، الموقف من الإنسان ومن العمل المؤسسي الذي تكون فيه المرجعية التنظيمية إلى مبادئ التنظيم وفكره، هي القاعدة في التكوين والتعامل والمتابعة والمحاسبة، ظل الموقف من كل هذه المسائل يحتاج إلى مراجعة، فعندما تكون أوضاعنا الداخلية متينة وجد متماسكة، لن تستطيع كثير من الأجهزة المعادية العبث بأوضاعنا الداخلية واصطياد بعض المؤيدين أو المعارضين، وتحريك هذه الشخصيات لبذر الفتن والمشاكل، وجمع المعلومات الاستخبارية، وضرب التماسك وتصفية المناضلين واغتيالهم في العواصم.

رغم أن الحركات الثورية تحمل أفكارًا جذرية ومشاريع كلية، وتتحرك في ظل وسط عفن ومتآمر تحكمه عقلية التجزئة والتغريب والتبعية والأجهزة الأمنية المرتبطة، إلا أنها بدلًا من دخول الأقطار العربية من أبواب متفرقة، وتركيز اغلب جسمها في ظل مجال أمني شديد، وتقسيم وتحديد الصلاحيات والمهمات والتفكير بالغد لا باليوم، وإعطاء الأولية للجسم التنظيمي والأمني وأجهزة متابعة العمل العسكري في الأرض المحتلة، فإنها دخلت الأقطار من باب واحد وبعنوان واحد، تحت اسم التنظيم نفسه، وطفا جسمها فوق سطح الأرض، عاريًا مكشوفًا وانتشرت المكاتب الخاصة والشمولية كما الفطر، وطغت السياسة والإعلام على التنظيم والأجهزة، وانحصر التفكير في الذات والحاضر بدلًا من الموضوع والغد، واصبح التنظيم تحت رحمة الساحر الذي يرى التحرير من على بعد خطوات، ومآذن المسجد الأقصى في نهاية النفق حتى إذا ما جد الجد تخطفت المناضلين يد رجال البادية في عمان، ورجال الكتائب في بيروت، ووحدات الموساد في أقطار الأرض.

وربما ما زال هناك متسع من الوقت لإعادة قراءة هذه التجربة، وترتيب الأوراق من جديد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت