فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 45

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين، سيدنا محمد الطاهر الصادق الأمين، أرسله سبحانه وتعالى على حين فترةٍ من الرسل ليُخرج به من شاء برحمته من ظلمات الشرك إلى صراطه المستقيم، فزكت قلوبهم وطهرت جوارحهم من خصال الخبيثات والخبيثين، وتجمل أتباعه المخلصون بخصال الطيبات والطيبين، فساروا بين الناس بأحسن سمت، وجاؤوا ربهم يوم القيامة بقلبٍ سليم، أمره ربه بدعوة الحق فقال سبحانه: (يأيها المدَّثِّر. قُم فأنذر. وربَّك فكبِّر. وثيابَك فطهِّر. والرُجز فاهجر) [1] ، فصدع بها صلوات ربي عليه وسلامه، فكانت دعوته المباركة الزكية طهارة للثوبين؛ ثوب الباطن بالتوحيد وكسر الأوثان، وثوب الظاهر بالعفة والإحصان، فحبب الخلق إلى خالقهم وتأول فيهم قول رب العزة سبحانه وتعالى: (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) [2] ، وارتقى بهم صلوات الله وسلامه عليه من طواف العري حول البيت والأوثان، إلى طواف الستر وطهر القلوب والأبدان، فالحمد لله على ما أتم من نعمائه، وله الشكر والمنة على منحه وآلائه، وبعد،

فلقد اشتدت غربة الإسلام اليوم، وأصبحنا نرى عيانًا ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال:"بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ غريبًا، فطوبى للغرباء" [3] ، وأصحبت غربة الدين اليوم بين أهله ومنسوبيه، فأهل الصلاح قليلٌ وأقل منهم من يطيعهم، وأهل السوء كثيرٌ، وأكثر منهم من يطيعهم، حتى غدا المعروف منكرًا، وغدا المنكر معروفًا، وانقلبت الموازين فأصبح المعروف محاربًا طريدًا منبوذًا، وأصبح المنكر مؤيدًا منصورًا، وأخذ أتباع شهوات النفوس وشبهات الشيطان يطاردون ويتعقبون أهل الحق والإيمان، حتى تكرر على مرأى منا ومسمع ما حكاه الله تعالى عن قوم لوطٍ صلوات الله وسلامه عليه حين أنكر على قومه تلك الفاحشة المستقذرة حسًا وطبعًا وشرعًا، قال تعالى: (ولوطًا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشةَ ما سبقكم بها من أحدٍ من العالَمين. إنكم لتأتون الرجال شهوةً مِن دون النساء بل أنتم قومٌ مسرفون) [4] ، فماذا كان جوابهم على إنكار المنكر؟ نتأمل قول الله تعالى: (وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناسٌ يتطهرون) [5] . نعم، لقد كانت الطهارة في ميزان قوم لوط تهمة ورذيلة، يُطرد أهلها ويُخرجون من ديارهم كما يُطرد المجرمون من أهل الفساد، وكانت فاحشة إتيان الذكور من دون النساء عند قوم لوط هي الفضيلة، وهي الطبيعة، وهي المعروف الذي يعرفون، وينكرون ما سواه، هذا ونبي الله تعالى لوط عليه السلام بين ظهرانيهم ينهاهم عن الرذيلة اللئيمة ويوجههم نحو الفطرة السليمة بالزواج الحلال من بنات قومه، قال تعالى حكاية عن قول لوط عليه السلام لقومه حين أتوه يراودونه عن ضيفه: (وجاءه قومه يُهرعون إليه ومِن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قومِ هؤلاء بناتي هنَّ أطهر

(1) سورة المدثر - آية 1 - 5

(2) سورة البقرة - آية 222

(3) صحيح مسلم - حديث 145

(4) سورة الأعراف - آية 80 - 81

(5) سورة الأعراف - آية 82

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت