بقي أن نقول إن مسألة تعطيل الحدود الشرعية اليوم تستمد خطرها العظيم من أمرين اثنين؛ أولهما أن تعطيل الحدود الشرعية والعقوبات الربانية التي أقرها الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتطبيق نظام عقوبات وضعي بشري وتعبيد الناس له والتحاكم إليه من دون شرع الله هو مرادف الكفر، والثاني أن تعطيل هذه العقوبات والحدود الشرعية هو تعطيل لسبل علاج المجتمع الذي بدأت تظهر فيه بوادر الانحراف العقدي والأخلاقي والسلوكي متمثلة في أفرادٍ لا يُراعون للدين حرمةً، ولا يحفظون للمجتمع حقًا. وإن تعطيل الحدود الواجبة هو تعطيل لصيانة المجتمع من هؤلاء المنحرفين، فإذا بالجريمة تنتشر، وإذا بالظاهرة الفردية تتحول إلى ظاهرة اجتماعية، ولا يخفى ما يترتب على ذلك كله من الفتنة والفساد المفضي إلى دمار المجتمع بأسره.
ومن جهة أخرى، فإننا عندما نطالب بتطبيق الحدود الشرعية نطالب بتطبيقها بالطريق الصحيح المنوط بالحاكم المسلم أو من ينوب عنه كالقاضي ونحوه، وليس تعطل الحكم الإسلامي بعذر ولا بحجة مقبولة لقيام بعض الأفراد بتطبيق الحدود بأيديهم وبأنفسهم إذ أن هذا ليس لهم، ولا يعود تصرفهم الفردي هذا على المجتمع بشيء سوى الفوضى والهرج ومزيد من الفتنة، فليحذر الغيورون من المسلمين من الوقوع في هذه المكيدة الإبليسية المفضية إلى تنفير الناس من الدين، وإلى تحقيق نتائج خلاف النتائج المرجوة من تطبيق الحدود بالطريق الصحيح، فإن قال قائل: إن هذا يعني الإقرار على تعطيل الحدود، قلنا: هذا غير صحيح ولا يلزم، بل نحن ننكر بقلوبنا وبألسنتنا تعطيل الحدود الشرعية، ونسعى إلى بعثٍ إسلامي، ووعي شرعي مجتمعي سياسي يقيم ما اندثر من أمر الدين، ولكن لكل مقامٍ مقال، وهذه مسألةٌ كليّةٌ خطيرةٌ من مسائل الدين، لا يجوز أن يتقحمها الأفراد على غير بصيرة ولا هدى ولا كتاب منير. وإنما المقصود من ذكرها هنا التنبيه إلى أثر من الآثار المترتبة على تعطيل الحدود، وتهييج المسلمين حكامًا ومحكومين على العود الحميد إلى تطبيق الشرعية الإسلامية، والتحاكم إلى شرع الله تعالى وفق منهجية علمية سليمة منضبطة، نسأل الله تعالى أن يعجل بذلك على الوجه الذي يرضيه عنا، آمين.
إن واجب المسلم عند انتشار الكبائر أو البدع أو الكفر انتشارًا لا يملك حيلةً في دفعه عن نفسه ومن يعول، ولا يملك أن ينكر على هذا المنكر أو يأمر بضده من المعروف على الوجه الذي تبرأ به الذمة، وعند ذاك فلا حيلة للمسلم القادر إلا أن يهجر تلك البلدة الخبيثة، مبالغةً في إعلان البراءة من أهلها وفعلهم الخبيث، ونجاةً بنفسه وأهله من عذاب الله تعالى المتربص بهم، وحمايةً له ولأهله من أن يُحشر مع هؤلاء والعياذ بالله.
ولقد جاء التنبيه على هذا الأصل العظيم في القرآن الكريم على وجه العموم في قوله تعالى: (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مُرَاغَمًا كثيرًا وسَعة ومَن يخرج مِن بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموتُ فقد وقع أجرُه على الله وكان