وإن هذا الذي نقله ابن قيم الجوزية عن جمهور الأمة قد جاء به الوحي المعصوم، تأمل معي قول الله تعالى: (وأمطرنا عليهم مطرًا فانظر كيف كان عاقبةُ المجرمين) [1] ، وقوله تعالى: (فلما جاء أمرنا جعلنا عالِيَها سافلها وأمطرنا عليها حجارةً من سِجِّيلٍ منضود. مُسَوَّمةً عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد) [2] ، وقال تعالى: (ثم دمرنا الآخرين. وأمطرنا عليهم مطرًا فساء مطر المُنذَرين) [3] .
أفترى أيها المسلم العاقل أن الله تعالى يتوعد بهذا الوعيد، ويعاقب بهذا العقاب الشديد، ويستأصل ببطشه وجبروته قومًا لمجرد أنهم يمارسون غريزةً جنسيةً طبيعيةً، كما يزعم أدعياء العلم المفترون الكاذبون المعاندون لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ألا ساء ما يفترون. فلينتبه الغافلون المخدوعون، وليقوموا يدًا واحدة ليأخذوا على هؤلاء النفر الشاذين المارقين المخالفين للفطرة الملوثين لصفحة البشرية بفعلهم الشائن وسلوكهم اللئيم.
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم النعمانُ بن قوقل فقال: يا رسول الله! أرأيت إذا صليت المكتوبة، وحرَّمتُ الحرام، وأحللت الحلال، أأدخل الجنة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"نعم" [4] . قال الحافظ ابن رجب رحمه الله في شرح الحديث:"وقد فسر بعضهم تحليل الحلال باعتقاد حِله، وتحريم الحرام باعتقاد حُرمته مع اجتنابه" [5] ، ولا شك أن هذا المعنى هو القضية المحورية في توحيد الألوهية لله عز وجل، وفي شرح الأربعين النووية للشيخين مصطفى البغا ومحي الدين مستو ما يلي:"التحليل والتحريم تشريعٌ لا يكون إلا لله تعالى: علمت أن أصل الإيمان أن يعتقد المسلمُ حِلَّ ما أَحلَّ اللهُ عز وجل وحُرمةَ ما حَرَّمَه، سواءٌ فعل المُحَرَّمَ أم تَرَكَ الحلال، فإن زعم إنسانٌ لنفسه أنه يستطيع أن يُحَرِّمَ ما ثبت حِلُّه في شرعِ الله عزوجل، أو يُحَلِّلَ ما ثبتت حرمتُه، فإنه بذلك يتطاول على حق الله عز وجل، الذي له وحده سلطة التشريع والتحليل والتحريم، فمن اعتقد أن له أن يشرِّعَ خلاف ما شرعه الله عز وجل وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يشرع بهواه دون التزام قواعد التشريع الإسلامي فقد خرج عن الإسلام، وبرئ منه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم" [6] ، جزى الله الشيخين خيرًا، فهذا هو الحق الذي لا تطمئن النفس لغيره، وبمثل هذه العقيدة الناصعة الصافية يتمثل العبد خطورة ما يأتي به عَبَدَةُ الشيطان الذين تتجارى بهم الأهواء فيحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله، ونحن نعيش اليوم في نتن العلمانية النكدة التي عطلت الحكم بما أنزل الله، وأخذت تُحلِّل وتحرِّم للناس وِفق أهواء مَن يُسمى زورًا وبهتانًا بالمشرَّع والسلطة التشريعية وما إلى ذلك من الشركاء المزعومين، فإذا بهذه الدول تجثم عليها دساتيرُ وضعية
(1) سورة الأعراف - آية 84
(2) سورة هود - آية 82 - 83
(3) سورة الشعراء - آية 172 - 173
(4) صحيح مسلم - حديث 15
(5) جامع العلوم والحكم - 1/ 206
(6) الوافي في شرح الأربعين النووية - 170