إن تحريم هذا الوطء الذي تنفر منه الفطرة السليمة قد جاء بهذه الصيغ المتنوعة تأكيدًا لفحش هذا السلوك، وإنه لمن المعيب بل والمحزن أن نسمع اليوم شكاوى بعض المسلمات المؤمنات الطاهرات اللواتي يطلب منهن أزواجهن هذا الفعل المحرم والفاحشة المستقذرة، فأين الأزواج عن هذا الوعيد الشديد؛ لعنة الله والحرمان من نظر الله تعالى إليه يوم القيامة، ومن لم ينظر الله تعالى إليه يوم القيامة فلا تسأل عن حاله، ألا فليتق الله هؤلاء الرجال، وليعودوا إلى رجولتهم الحق بالتزام الصمام الواحد الطبيعي، حيث يضع بذره في حرثه، فتكون الذرية الطيبة الموحدة بإذن الله، خلافًا لذلك البذر الخبيث في الموضع الخبيث الذي لا يأتي إلا بلعنة الله عياذًا بالله من ذلك.
ثم لتعلم كل زوجة مسلمة أن هذا الطلب من الزوج لا يجوز ولا يحل الاستجابة له البتة، فلا طاعة للزوج في معصية الله عز وجل، وإذا أصر زوجها على ذلك وآذاها فلها اللجوء بعد الله تعالى إلى القضاء الإسلامي، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا عذر لزوجة في طاعة زوجها في هذه المطالب المستقذرة والفواحش المحرمة.
والمقصود أن الرجل إذا تردى في هذا الحضيض وارتكب الوطء المحرم في الدبر، انتكست نفسه، ولم تعد تقنع بالزوجة، فذهبت تبحث في مستنقعات المجتمع عن مواضع أخرى لهذا الوطء، فلا شك أن سد هذه الذريعة والحرص على الوطء المباح في صمام واحد مما يعين على الوقاية من انتشار فاحشة اللواط.
لقد تقدم معنا في سرد قصة لوط مع قومه قول الله تعالى: (وجاءه قومُه يُهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قومِ هؤلاء بناتي هنَّ أطهر لكم فاتقوا الله ولا تُخزونِ في ضيفي أليس منك رجلٌ رشيد) [1] ، وتكلمنا على وسلية من وسائل الوقاية من اللواط وهي التوجيه إلى الوطء الحلال الطيب من الزوجات الطاهرات العفيفات، وهنا نتكلم عن الوسيلة الثانية التي حاول لوط عليه السلام أن يردع قومه بها وهي تقوى الله، وأعود فأنبه على أن عدم استجابة قوم لوط لهذا الزاجر كان لتجاوزهم الحد في هذه الفاحشة، وتأصلها فيهم، وطبعِ الله تعالى على قلوبهم، فإن الملائكة قد أتت بعذاب الله تعالى وقضي الأمر، وهذا الذي قاله لوط عليه السلام لقومه تعليم من الله تعالى لأسباب الوقاية من فاحشة اللواط، وهي ثلاثة أسباب وردت في الآية: التوجيه إلى الوطء الحلال، وتقوى الله، وتحكيم العقل والرشد في مثل هذه التصرفات التي يأباها العقل الرشيد والفطرة السليمة، وكل ما ذكرناه من وسائل في هذا الفصل إنما ندندن حول هذه الأمور الثلاث، فالحمد لله الذي أتم لنا الدين، وأحكم لنا آيات القرآن المبين.
والمقصود أن انشغال نفس المكلف وجوارحه بتقوى الله تعالى والأسباب المحققة لهذه التقوى جديرة بحمايته من الوقوع في شرك الفاحشة اللوطية والسحاقية، فإذا تأملت معنى التقوى وهي أن يجدك الله تعالى حيث أمرك، وأن يفقدك حيث
(1) سورة هود - آية 78