لكم فاتقوا الله ولا تخزونِ في ضيفي أليس منكم رجلٌ رشيد) [1] ، فيأبى هؤلاء المجرمون إلا أن يقبعوا في وحل الرذيلة كما قال تعالى عنهم: (قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد) [2] .
لقد أصر قوم لوط على قلب الموازين بعد أن انتكست فطرتهم عن رسم السلامة والطهارة، فإذا بنفوسهم المريضة اللئيمة تنأى عن موضع الحرث الطيب إلى حشوش القذر والدنس، وهم مع هذه الانتكاسة المادية الجسدية التي تترفع عنها البهائم، قد جاوزوا الحد إلى انتكاسة معنوية روحية خبيثة حين جعلوا رذيلتهم تلك هي الأصل والفضيلة، وجعلوا رسم الفطرة السليمة من إتيان الزوجات الطاهرات عنوان المخالفة والرذيلة، ولما نفرت نفوسهم الخبيثة على مخالفة سبيل الأطهار الكرام، واستقرت بلؤمها على رسم الفاحشة والإجرام، كان الجزاء الوفاق من الله تعالى على قلب الأمور عن موازين الحق أن قلب عليهم معايشهم ومحقهم وقطع دابرهم، نتدبر حكم الله تعالى وقضاءه حيث قال عز وجل: (فلما جاء أمرنا جعلنا عاليَها سافلها وأمطرنا عليها حجارةً من سِجّيلٍ منضود. مُسَوَّمةً عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد) [3] .
هذه إذًا بداية هذه الانتكاسة الخطيرة في فطرة بني آدم، لم يسبق إليها أحد من بني آدم قبل قوم لوط عليه السلام، ولو كان هذا القذر الطارئ أمرًا طبيعيًا وتعبيرًا سويًا للغريزة الجنسية التي خلقها الله تعالى في الإنسان، لكانت ظهرت آثارها من لدن آدم حاشاه عليه السلام، ولكن هيهات، بل إن طروء هذه الفاحشة على الفطرة الجسدية السليمة كطروء الشرك على فطرة التوحيد السليمة، إنها أمرٌ منافٍ للفطرة، مغايرٌ للطبيعة السوية وللجِبِلَّة القويمة، ولعل هذه بداية الإشارة إلى افتراء وكذب من يزعمون أن اللواط والسحاق سلوك بشري طبيعي، كما يدعي منسوبو العلم والطب الحديث، ولسوف نفند هذه الدعاوى بإذن الله في سياق هذه الرسالة. ولقد دفعني إلى تأليفها ما ترامى إلى أسماعنا وأنظارنا من انتشار مظاهر هذه الرذيلة ومقدماتها في ثنايا مجتمعاتنا المسلمة، وليس التحذير من هذا الخطر مرادفًا لدعوى هلاك الناس وانقطاع الخير، كلا، فلقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا قال الرجل هلك الناس، فهو أهلكهم" [4] ، وإنما نحذر من هذا الخطر امتثالًا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال:"إن القوم إذا رأوا المنكر فلم يغيروه عمَّهم الله بعقاب" [5] ، ونحذر من هذه الفئة المنحرفة المتردية في هاوية الفحش والقذر نظرًا لما يجره السكوت عليها من ويلات على عامة المسلمين مهما قلَّت هذه الفئة، قال الله تعالى: (واتقوا فتنةً لا تصيبنَّ الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب) [6] .
(1) سورة هود - آية 78، وقول نبي الله لوط عليه السلام (هؤلاء بناتي) لأن مكانة النبي من قومه بمنزلة الوالد، فهو يوجه إلى البنات الطاهرات من القوم ليتزوج بهم الرجال ويقضوا وطرهم في الموضع الحلال خلافًا لفعل الرذيلة التي انتكست بهم فيها أهواؤهم.
(2) سورة هود - آية 79
(3) سورة هود - آية 82 - 83
(4) صحيح مسلم - حديث 2623، وفي ضبط (أهلكهم) وجهان مشهوران بضم الكاف وفتحها، فالأول بمعنى الخبر أي هو أشدهم هلاكًا، والثاني بمعنى أنه هو الذي صيرهم هالكين لا أنهم هالكون على الحقيقة (انظر شرح النووي على صحيح مسلم - 16/ 175)
(5) السنن الكبرى - النسائي - حديث 11157
(6) سورة الأنفال - آية 25