قال «سفيان الثوري» : (بلغني أنه يأتي على الناس زمان تمتلئ قلوبهم في ذلك الزمان من حُبِّ الدنيا فلا تدخلها الخشية!) ، ثم قال: (وأنت تَعْرِف ذلك إذا ملاتَ جِرَابًا من شيء حتى يمتلئ فأرَدْتَ أنْ تُدْخِل فيه غيره لَمْ تجد لذلك من خلاء!) انتهى [1] .
وتأمل الآن داءَ الطَّمَع والجشَع وحبّ الدنيا المفْرِط ماذا فعل بكثير من الخلق في زماننا، فهذا مثَل يبين ذلك:
مَرَّ «فتح الموصلي» بصبييّن مع أحدهما كسرة عليها عسل، ومع الآخر كسرة عليها كامخ، فقال الذي معه الكامخ للذي معه العسل: (أطعمني من خبزك) ، قال: إن كنت كَلبًا لي أطعمتك، قال: (نَعَم) ، فأطعمه من خبزه، وجعل في فَمِه خَيطًا وجعل يقوده؛ فقال «فَتْحٌ» : (لوْ رَضِيت بخبزك ما كُنت كَلبًا لِهَذا) ، قال «أبو موسى / عمران الطرسوسي» : (فهكذا الدنيا!) انتهى [2] .
فتأملْ هذا، ثم اعلَم أنه مِن أعظم أسباب هواننا وذلّنا وخيبتنا، وإنما هي
دنيا - كما قال الإمام ابن القيم: (نفَسٌ من أنفاس الآخرة، وساعة من ساعاتها!) [3] .
(1) «حلية الأولياء» ، (7/ 38) .
(2) «حلية الأولياء» ، (8/ 293) ؛ و «صفة الصفوة» ، (4/ 186) .
(3) أنظر: «عدة الصابرين» ، ص (197) .