ولَمَّا قال «موسى» - عليه السلام: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا .. } [1] ، قال «ابن عباس» - رضي الله عنهما: (مَرَّت به الملائكة - وقد صعِق - فقالت: [يا بن النساءِ الْحُيَّضِ! .. لقد سألْتَ ربَّكَ أمْرًا عظيمًا!] انتهى [2] ؛ فالملائكة الكرام - عليهم السلام - لِقُربهم من ربِّهِم وعِلْمِهِم بعظمته - جلَّ جلالُه - تعاظموا طلَب «موسى» - عليه السلام - الذي لا يُمكن لأحدٍ في الدنيا أن يقدر عليه لِضَعْفِ البَشَر في الدنيا، ويوضح هذا المعنى اندِكاكُ الجبل وصَعْق «موسى» - عليه السلام -، فتأمل ذلك.
وإنَّ مِن عَلاَماتِ الإيمانِ بالله - جلَّ وعَلاَ - وتعظيمِهِ وإجلالِهِ وتوقيرِهِ عدم الاستهانة بذِكْره، والإنكار على مَن يستهين بذلك، وحَمْل الأوراق التي لا تخلو عادةً من ذِكره إذا وُجِدَت ساقطة على الأرض ومُهَانة في الشوارع والزبائل؛ وتعظيمُ اللهِ وذِكْرِه من علاماتِ توفيق الله لعبده.
وهذه - واللهِ - هي الحقيقة، فإنَّ التعلق بالدنيا والغفلة عن الآخرة من أعظم ما يورث الاستهانة بذكر الله - تعالى -، ولاَ أعظم مما هو حاصل في زماننا من التعلق الشديد بالدنيا والغفلة عن الآخرة مع المعاصي الأخرى، وهذا هو سِرّ تفرد زماننا بما لَم يحصل له مثيل من قَبلُ أبدًا في الاستهانة بذكر الله - عزَّ وَجَل -.
وإذا كان الأمر كذلك فتأمَّل ما قال الحافظ عَلَم الدين «البرزالي» ، وقد حكى عن الشيخ «عبد الكافِي» أنه: (شهِدَ مَرَّةً جِنَازةً، فإذا عَبْدٌ أسود معنا، فلمَّا صَلَّى الناسُ لَمْ يُصَلِّ، فَلَمَّا حَضَرْنا الدَّفن نَظَرَ إليَّ وقال:"أنا عَمَله، ثُمَّ ألقى نفْسه في قبر ذلك الميت"، قال: فنظرتُ فلم أرَ شيئًا!) انتهى [3] .
وهذا - واللهِ - مِمَّا يُخيف، لأنَّ أعمال العبد تُصَوَّر له إمَّا سارَّة وإمَّا مُحْزِنَة، قال ابن تيمية ~: (وقد جاء في أحاديث حِسَانٍ أنَّ العملَ الصالِح يُصَوَّر لصاحبه صورةً حسَنةً، والسَّيئ صورةً قبيحة يُنعَّم بِها صاحبُها أوْ يُعذَّب، وجاء
(1) سورة الأعراف، من الآية: 143.
(2) أخرجه ابن جرير الطبري في «تفسيره» (9/ 55) .
(3) أنظر: «البداية والنهاية» لابن كثير (13/ 366) ، و «عقد الْجُمان في تاريخ أهل الزمان» للعيني (1/ 202) .