فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 110

وإرشاده لعلاج الصرع الأكبر، ولا ريب أن غفْلتنا عن هذا الأمر العظيم وترك معالجته لا تدل دلالتها إلا على استحكام هذا الصرع فينا مع فساد شعورنا به!.

علاج الصرع الأكبر:

قال ابن القيم ~:(وعلاج هذا الصرع باقتران العقل الصحيح إلى الإيمان بما جاءت به الرسل، وأن تكون الجنة والنار نصب عينه وقِبْلَةَ قلبه، ويستحضر أهل الدنيا وحلول الْمَثُلاَت والآفات بهم، ووقوعها خلال ديارهم كمواقع القطر وهم صرعى لا يفيقون؛ وما أشَدّ هذا الصرع، ولكن لَمَّا عمَّت البلية به بحيث لا يُرى إلاَّ مصروعًا لَمْ يصِر مستغرَبًا ولاَ مستنكَرًا، بل صار لكثرةِ المصروعين عين المستنكَر المستغرَب خلافه [1] .

فإذا أراد الله بعبدٍ خيرًا أفاق من هذه الصَّرْعَة ونَظَر إلى أبناء الدنيا مصروعين حَولَه يمينًا وشمالًا على اختلاف طبقاتهم، فمنهم من أطبق به الجنون، ومنهم مَن يُفيق أحيانًا قليلة ويعود إلى جنونه، ومنهم مَن يُفيق مرةً ويُجَنّ أخرى، فإذا أفاق عَمِلَ عَمَلَ أهل الإفاقة والعقل، ثم يُعاوده الصرع فيقع في التخبيط)انتهى [2] ؛ وهذا ليس بخارجٍ عن موضوعنا، ففيه موعظة بليغة وفتحُ بابٍ للتفكُّرِ السليم.

وفي زماننا هذا يَقرأ على المرضى والمصروعين مَن هَبَّ وَدَبّ!، وهذا خلافُ ما كان في الماضي حيث لا يتولى ذلك إلا الصُّلَحَاء.

وبعضُ الجهال إذا رأى الراقي يُخاطب الجني الذي في المصروع يَظن أن هذا لَم يحصل إلا لِعُظْمِ شأنِ هذا الراقي!، وليس الشأنُ في كلام الجني على لسان المصروع، فقد يتكلم ويزيد في أذاه، وإنما الشأن أن يخرج ولا يعود، وهذا نادرٌ حصولُه، والمراد أن الجهال يُعظِّمون الراقي لأجلِ مُجَرَّد محاورته للجني، وكثيِرٌ من الجن في المصروعين يَسخرون بالراقي ويتلاعبون به.

عن «الأعمش» ~ قال: حدثنا رجلٌ كان يُكَلِّم الْجِنّ، قالوا: (ليس علينا أشد مِمَّن يتَّبِع السُّنة، وأما أصحابُ الأهواءِ فإنا نلعبُ بهم لَعِبًا!) انتهى [3] .

وأخيرًا؛ فَلْيُعلم أنَّ المراد مِمَّا تقدم التنبيه والنصيحة، ولعل مَن أخطأ أن يعود إلى رُشده، لأنَّ كثيرًا من رُقاة زماننا بحاجة إلى مَن يَرْقِيهِم!.

وكل ما تقدَّم من الكلام هو في شأن الرقية الشرعية النَّقية، أمَّا الرقية بالسحر والشعوذة ونحو ذلك فشيء آخر وسيأتي الكلام عليه قريبًا إن شاء الله.

(1) يعني أن الْمُعافى من هذا الصرع هو المستنكَر لقلّته وغربته.

(2) «زاد المعاد» (4/ 69) .

(3) أنظر: «تلبيس إبليس» لابن الجوزي، ص (39) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت