فهرس الكتاب

الصفحة 457 من 2053

الْإِكْثَارُ مِنْ الْعُمْرَةِ: 31 - يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ الْعُمْرَةِ , وَلَا يُكْرَهُ تَكْرَارُهَا فِي السَّنَةِ الْوَاحِدَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ( الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَمُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ ) وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ وَعَائِشَةَ رضي الله تعالى عنهم وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَعِكْرِمَةَ رحمهم الله , وَتَدُلُّ لَهُمْ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي فَضْلِ الْعُمْرَةِ , وَالْحَثِّ عَلَيْهَا , فَإِنَّهَا مُطْلَقَةٌ تَتَنَاوَل تَكْرَارَ الْعُمْرَةِ تَحُثُّ عَلَيْهِ . وَفَصَّلَ ابْنُ قُدَامَةَ مَا يُسْتَحَبُّ فِيهِ الْإِكْثَارُ فَقَالَ: قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً , وَكَانَ أَنَسٌ إذَا حَمَّمَ رَأْسَهُ خَرَجَ فَاعْتَمَرَ , وَقَالَ عِكْرِمَةُ: يَعْتَمِرُ إذَا أَمْكَنَ الْمُوسَى مِنْ شَعْرِهِ , وَقَالَ عَطَاءٌ: إنْ شَاءَ اعْتَمَرَ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّتَيْنِ , وَقَالَ أَحْمَدُ: إذَا اعْتَمَرَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ وَفِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ يُمْكِنُ حَلْقُ الرَّأْسِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ قَدَرَ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي الشَّهْرِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَحْبَبْت لَهُ ذَلِكَ . وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: يُكْرَهُ تَكْرَارُ الْعُمْرَةِ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ , وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ , وَتُنْدَبُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْمَرَّةِ لَكِنْ فِي عَامٍ آخَرَ . وَالْمُرَادُ بِالتَّكْرَارِ فِي الْعَامِ السَّنَةُ الْهِجْرِيَّةُ , فَلَوْ اعْتَمَرَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ ثُمَّ فِي الْمُحَرَّمِ لَا يُكْرَهُ ; لِأَنَّهُ اعْتَمَرَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ . وَمَحَلُّ كَرَاهَةِ التَّكْرَارِ فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ مَا لَمْ يَتَكَرَّرْ دُخُولُ مَكَّةَ مِنْ مَوْضِعٍ عَلَيْهِ فِيهِ إحْرَامٌ , كَمَا لَوْ خَرَجَ مَعَ الْحَجِيجِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَكَّةَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ , فَإِنَّهُ يُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ ; لِأَنَّ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ مَكْرُوهٌ . وَقَدْ اسْتَدَلَّ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام لَمْ يُكَرِّرْهَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ . وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَوْلُ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مِنْ جَوَازِ التَّكْرَارِ , بَلْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا بَأْسَ بِهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً . وَعَلَى الْمَشْهُور عِنْدَهُمْ مِنْ أَنَّهُ يُكْرَهُ تَكْرَارُهَا فِي السَّنَةِ الْوَاحِدَةِ لَوْ أَحْرَمَ بِثَانِيَةٍ انْعَقَدَ إحْرَامُهُ إجْمَاعًا , قَالَهُ سَنَدٌ وَغَيْرُهُ . وَيَشْمَلُ اسْتِحْبَابُ الْعُمْرَةِ وَاسْتِحْبَابُ تَكْرَارِهَا أَشْهُرَ الْحَجِّ ; لِأَنَّ { النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اعْتَمَرَ فِيهَا } , وَفِي ذَلِكَ إبْطَالٌ لِزَعْمِ الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ , بَلْ إنَّ عُمُرَاتِهِ صلى الله عليه وسلم - هِيَ أَرْبَعٌ - كَانَتْ كُلُّهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ كَمَا ثَبَتَ عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه: { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرَ , كُلَّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ إلَّا الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ: عُمْرَةً مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ أَوْ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ , وَعُمْرَةً مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَعُمْرَةً مِنْ جِعْرَانَةَ حَيْثُ قَسَّمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ , وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ } . وَدَرْءًا لِمَا قَدْ يُفْهَمُ مِنْ تَعَارُضٍ بَيْنَ هَذَا وَمَا سَبَقَ مِنْ أَفْضَلِيَّةِ الْعُمْرَةِ فِي رَمَضَانَ قَالَ الْكَمَالُ بْنُ الْهُمَامِ: إنَّ رَمَضَانَ أَفْضَلُ بِتَنْصِيصِهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى ذَلِكَ , وَتَرْكُهُ لِذَلِكَ لِاقْتِرَانِهِ بِأَمْرٍ يَخُصُّهُ كَاشْتِغَالِهِ بِعِبَادَاتٍ أُخْرَى فِي رَمَضَانَ تَبَتُّلًا , وَأَنْ لَا يَشُقَّ عَلَى أُمَّتِهِ , فَإِنَّهُ لَوْ اعْتَمَرَ فِيهِ لَخَرَجُوا مَعَهُ , وَلَقَدْ كَانَ بِهِمْ رَحِيمًا , وَقَدْ أَخْبَرَ فِي بَعْضِ الْعِبَادَاتِ أَنَّ تَرْكَهُ لَهَا ; لِئَلَّا يَشُقَّ عَلَيْهِمْ مَعَ مَحَبَّتِهِ لَهَا كَالْقِيَامِ بِهِمْ فِي رَمَضَانَ , وَمَحَبَّتِهِ لَأَنْ يَسْقِيَ بِنَفْسِهِ مَعَ سُقَاةِ زَمْزَمَ ثُمَّ تَرَكَهُ كَيْ لَا يَغْلِبَهُمْ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِهِمْ , { وَلَمْ يَعْتَمِرْ عليه الصلاة والسلام فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً } . وَمَا قَالَهُ الْكَمَالُ يَتَّفِقُ وَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ , مِنْ أَنَّ دَلَالَةَ الْقَوْلِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى دَلَالَةِ الْفِعْلِ . لَكِنْ اسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ الِاعْتِمَارَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لِلْمَكِّيِّ , وَالْمُقِيمِ بِهَا , وَلِأَهْلِ الْمَوَاقِيتِ وَمَنْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ , فَيُكْرَهُ لِهَؤُلَاءِ الِاعْتِمَارُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ ; لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ يَحُجُّونَ , فَيُصْبِحُونَ مُتَمَتِّعِينَ , وَيَلْزَمُهُمْ دَمٌ جَزَاءً إنْ فَعَلُوهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ . أَمَّا عِنْدَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت