وقد ذكرنا فيما تقدم من كلام الموتى وردّ السلام عليهم، ولا ينافي هذا قوله صلى اللّه عليه وسلم: «و لا يستطيعون أن يجيبوا» لأن المراد نفي الإجابة المعهودة التي يسمعها الأحياء، وقد ثبت تكلم الموتى.
كما في «صحيح البخاري» عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال: «إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت لأهلها: يا ويلها أين تذهبون بها، يسمع صوتها كل شي ء إلا الإنسان؛ ولو سمع الإنسان لصعق» «1» .
وقد تقدّم في حديث أنس وغيره: «أنّ الميت إذا ضرب في قبره بمطراقين من حديد يصيح صيحة، يسمعها من يليه غير الثقلين» .
وقد ورد في حديث مرفوع لا يصح: أن من مات من غير وصية، لا يتكلم يوم القيامة «2» .
ومن رواية أبي محمد الكوفي، عن ابن المنكدر، عن جابر مرفوعا: «من مات من غير وصية لا يؤذن له في الكلام إلى يوم القيامة» . قالوا: يا رسول اللّه! ويتكلمون قبل يوم القيامة؟ قال: «نعم ويزور بعضهم بعضا» . قال أبو أحمد الحاكم: هذا حديث منكر، وأبو محمد هذا؛ رجل مجهول.
وروى ابن أبي الدنيا، حدّثنا محمد بن الحسين، حدّثنا سعيد بن خالد بن يزيد الأنصاري، عن رجل من أهل البصرة، ممن كان يحفر القبور، قال: حفرت قبرا ذات يوم، ووضعت رأسي قريبا منه، فأتاني امرأتان في منامي، قالت إحداهما: يا عبد اللّه نشدتك اللّه إلا صرفت عنا هذه المرأة ولم تجاورنا بها. قال: فاستيقظت فزعا، فإذا بجنازة امرأة قد جي ء بها، فقلت: القبر وراءكم، فصرفتهم إلى غير القبر، فلما كان الليل إذا أنا بالمرأتين، تقول لي إحداهما: جزاك اللّه عنّي خيرا، فلقد صرفت عنا شرا طويلا. قلت: فما بال صاحبتك لا تكلمني كما كلمتني أنت؟ قالت: إن هذه ماتت من غير وصية، وحقّ لمن مات عن غير وصيّة أنه لا يتكلم إلى يوم القيامة «3» .
(1) تقدم.
(2) انظر «مجمع الزوائد» (4/ 209) .
(3) أخرجه ابن أبي الدنيا في «القبور» (137) وانظر كلام محققه عليه.