وما حضر عليهم من ذلك، ونحن في المهلة فأحببت أن أقدم لذلك شيئا من عمل، قال الحسن: أحبّ واللّه أن يكون لي في كل خير نصيب.
وبإسناده عن الفضل الرّقاشي أنه كان يقول في كلامه إذا ذكر أهل القبور: يا لها من وجوه حيل بينها وبين السجود للّه- عزّ وجلّ، لو يجدون إلى العمل مخلصا بعد المعرفة بحسن الثواب لكانوا إلى ذلك سراعا، ثم يبكي ويقول: يا إخوتاه، فأنتم اليوم قد خلّي بينكم وبين ما عليه ترجون إليه فكاك رقابكم، ألا فبادروا الموت، وانقطاع أعمالكم، فإن أحدكم لا يدري متى يحترمه ليلا أو نهارا.
وبإسناده عن صفوان بن سليم، أنه كان في جنازة في نفر من العباد، فلمّا صلّى عليها، قال صفوان: أما هذا قد انقطعت عنه أعماله، واحتاج إلى دعاء من خلف بعده، فأبكى القوم جميعا.
وقال أبو وهب محمد بن مزاحم، قال: قام رجل إلى ابن المبارك في جنازة، فسأله عن شي ء، فقال له: يا هذا سبّح، فإن صاحب السرير منع من التسبيح.
وكان عمرو بن عيينة يخرج بالليل إلى المقابر، ويقول: يا أهل القبور! طويت الصحف، ورفعت الأعمال، ثم يصلّي حتى يصبح، ثم يرجع إلى أهله.
ورئي بعض الموتى في المنام، فقال: ما عندكم أكثر من الغفلة، وما عندنا أكثر من الحسرة.
وروى ابن أبي الدنيا، بإسناده عن يزيد بن نعامة قال: هلكت جارية في الطاعون، فلقيها أبوها بعد موتها في المنام، فقال لها: يا بنيّة أخبريني عن الآخرة، فقالت: يا أبت قدمنا على أمر عظيم، نعلم ولا نعمل، وتعملون ولا تعلمون، واللّه لتسبيحة أو تسبيحتان أو ركعة في عملي أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها.
ومرّ بعض السّلف بالمقابر فقال: أصبح هؤلاء زاهدين فيما نحن فيه راغبون «1» .
وكان داود الطائي مع جنازة، فقال في كلامه: اعلم أن أهل الدنيا جميعا من أهل القبور، إنما يفرحون بما يقدمون، ويندمون على ما يخلفون، فما عليه أهل القبور ندموا ما عليه أهل الدنيا يقتتلون وفيه يتنافسون وعليه عند القضاة يتخاصمون.
بعض أهل البرزخ يكرمه اللّه بأعماله الصالحة عليه في البرزخ، وإن لم يحصل له ثواب تلك الأعمال لانقطاع عمله بالموت، لكن إنما يبقى عمله عليه ليتنعم بذكر اللّه وطاعته، كما يتنعم بذلك الملائكة وأهل الجنة في الجنة، وإن لم يكن لهم
(1) أخرجه ابن أبي الدنيا في «القبور» (رقم: 168) .