الرجل خالدا فبعث إليّ الدرع وأتى بها، وحدّث أبا بكر برؤياه، فأجاز وصيته؛ ولا نعلم أحدا أجيزت وصيته بعد ثابت رحمة اللّه عليه.
قلت: مثل الرؤيا الصادقة تورث ظنا قويا، أقوى من إخبار رجل أو رجلين، فيجوز للوصي وغيره الاعتماد عليها في الباطن، كما إذا علم الوصي بدين على الموصي غير ثابت في الظاهر، فإن له قضاءه، وإذا رأى الإمام إنفاذ ذلك ظاهرا كان فيه اقتداء بالصدّيق رضي اللّه عنه.
قال ابن أبي الدنيا «1» : حدّثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدّثنا أبي، عن أبي بكر بن عياش، عن حفّار كان في بني أسد، قال: فمررت بالحفار، فحدّثني كما حدثني أبو بكر عنه، قال: كنت أنا وشريك لي نتحارث في مقبرة بني أسد. قال:
فإني لليلة في المقابر إذا سمعت قائلا يقول من قبر: يا عبد اللّه! قال: ما لك يا جابر؟ قال: غدا تأتينا أمنا. قال: وما ينفعنا، لا تصل إلينا، إن أبي قد غضب علينا، وحلف أن لا يصلّي عليها، فجعلا يكرّران ذلك مرارا، فجئت شريكي فجعل يسمع الصوت، ولا يفهم الكلام، فلقنته إياه، ثم تفهمه ففهمه، فلما كان من الغد جاءني رجل، فقال: احفر لي هاهنا قبرا بين القبرين الذين سمعت منهما الكلام. قلت: اسم هذا جابر واسم هذا عبد اللّه؟ قال: نعم. فأخبرته بما سمعت. قال: نعم، قد كنت حلفت أن لا أصلي عليها، لا جرم لأكفرن عن يميني، ولأصلين عليها ولأترحمن عليها، قال: ثم مرّ بي بعد، وبيده عكاز وإداوة، فقال: إني أريد الحج لمكان يميني تلك.
وقال أبو الفرج بن الجوزي الحافظ: حدّثني الشيخ أبو الحسن البراديسي، عن بعض العدول، أن رجلا رأى في منامه قاضي القضاة أبا الحسن الزينبي، فقال له: ما فعل اللّه بك؟ قال: غفر لي، ثم أنشد شعرا:
وإنّ امرأ ينجو من النار بعد ما ... تزوّد من أعمالها لسعيد
ثم قال: قال لفلان وفلان- رجلين كانا وصيين له-: لم تضيقون صدر فلانة وفلانة وفلانة؟ فسمى ثلاث سراري له، ولم أسمع بأسمائهن إلا في هذا المنام، فلقي الرجل الوصيّين فذكر لهما ذلك، فقالا: سبحان اللّه، لقد كنا البارحة نتحدث في المسجد في التضييق عليهن.
(1) في «القبور» (138) بإسناد حسن كما قال محققه.