قلت: في المسجد، فلم يلبث أن جاء فقالت: يا عمي! رأيت أبي سفيان في النوم، فقال: جزى اللّه أخي أيوب عني خيرا، فإنه يزورني كثيرا، وقد كان عندي اليوم، فقال أيوب: نعم، حضرت جنازة اليوم، فذهبت إلى قبره.
حدّثنا محمد بن الحسين، حدّثنا يحيى بن أبي بكر، حدّثني الفضل بن موفق- ابن خال سفيان بن عيينة-، قال: لمّا مات أبي جزعت عليه جزعا شديدا، فكنت آتي قبره كل يوم، ثمّ إني قصّرت من ذلك ما شاء اللّه، ثم إني أتيته يوما، فبينما أنا جالس عند القبر غلبتني عيناي فنمت، فرأيت كأن قبر أبي انفجر، وكأنه قاعد في قبره، متوشح بأكفانه، عليه سحنة الموتى. قال: فبكيت لما رأيته، فقال: يا بني! ما أبطأ بك عني؟ قال: قلت: وإنك لتعلم بمجيئي؟ قال لي: ما جئت من مرة إلّا علمتها، وقد كنت تأتيني فأسرّ بك ويسر من حولي بدعائك. قال: فكنت آتيه بعد كثيرا.
قال: وحدّثني محمد بن بسطام، حدّثني عثمان بن سودة الطفاوي- وكانت أمه من العابدات، وكان يقال لها: راهبة-، فماتت، فكنت آتيها كل جمعة، فأدعو لها وأستغفر لها ولأهل القبور، قال: فرأيتها ذات ليلة في منامي، فقلت لها: يا أماه! كيف أنت؟ فقالت: يا بنيّ! إن للموت كربة شديدة، وإنا بحمد اللّه تعالى لفي برزخ محمود، يفرش فيه الريحان، ويوسّد فيه السندس والإستبرق إلى يوم النشور. فقلت:
أ لك حاجة، فقالت: نعم، قلت: وما هي؟ قالت: لا تدع ما كنت تصنع من زيارتنا، والدعاء لنا، فإني لأبشّر بمجيئك يوم الجمعة إذا أقبلت من أهلك، فيقال: يا راهبة! هذا ابنك قد أقبل، فأسرّ بذلك، ويسرّ من حولي من الأموات.
وقال الحافظ أبو الطاهر السلفي: سمعت أبا البركات عبد الواحد بن عبد الرحمن بن غلّاب السوسي، بالإسكندرية، يقول: يا بنتي! إذا جئتيني زائرة، فاقعدي عند قبري ساعة، أتملأّ من النظر إليك، ثم ترحّمي عليّ، فإذا ترحّمت عليّ صارت الرحمة بيني وبينك كالحجاب ثم شغلتني عنك.
قلت: وأنبأني علي بن عبد الصمد بن أحمد البغدادي، عن أبيه، قال: أخبرني قسطنطين بن عبد اللّه الرومي، قال: سمعت الأسد بن موسى، قال: كان لي صديق فمات، فرأيته في النوم وهو يقول لي: سبحان اللّه، جئت إلى قبر فلان صديقك قرأت عنده وترحمت عليه، وأنا ما جئت إليّ ولا قربتني، قلت له: وما يدريك؟ قال:
لما جئت إلى قبر فلان صديقك رأيتك. قلت: كيف رأيتني والتراب عليك؟ قال: أما رأيت الماء إذا كان في الزجاج أ ما يتبين؟ قال: كذلك نحن نرى من يزورنا.