وقد وافق عائشة على نفي سماع الموتى كلام الأحياء طائفة من العلماء، ورجّحه القاضي أبو يعلى من أصحابنا، في كتاب (الجامع الكبير) له، واحتجوا بما احتجت به عائشة، وبأنه يجوز أن يكون ذلك معجزة مختصة بالنبي صلى اللّه عليه وسلم دون غيره، وهو سماع الموتى كلامه.
وفي «صحيح البخاري» قال قتادة: أحياهم اللّه تعالى- يعني أهل القليب- حتى أسمعهم قوله، توبيخا وتصغيرا ونقمة وحسرة وندما «1» .
وذهب طوائف من أهل العلم- وهم الأكثرون-، وهو اختيار الطبري وغيره، وكذلك ذكره ابن قتيبة وغيره من العلماء، وهؤلاء يحتجون بحديث القليب، كما سبق، وليس هو بوهم ممن رواه، فإن ابن عمر وأبا طلحة وغيرهما ممن شهد القصة حكياه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم. وعائشة لم تشهد ذلك، وروايتها عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: «إنهم ليعلمون الآن، أن ما كنت أقول لهم حق» ، يؤيّد رواية من روى: إنهم ليسمعون، ولا ينافيه، فإن الميّت إذا جاز أن يعلم جاز أن يسمع، لأن الموت ينافي العلم، كما ينافي السمع والبصر، فلو كان مانعا من البعض لكان مانعا من الجميع.
وروى أبو الشيخ الأصبهاني، بإسناده عن عبيد بن مرزوق، قال: كانت امرأة بالمدينة يقال لها أم محجن، تقمّ المسجد، فلم يعلم بها النبي صلى اللّه عليه وسلم، فمر بقبرها، فقال: «ما هذا القبر» ؟ فقالوا: أم محجن. فقال: «التي كانت تقمّ المسجد» ؟ قالوا:
نعم. فصفّ الناس فصلّى عليها، ثم قال: «أيّ العلم وجدت أفضل» ؟ قالوا: يا رسول اللّه أ تسمع؟ قال: «ما أنتم بأسمع منها» ، فذكر أنها أجابته: قمّ المسجد.
وهذا مرسل.
وأما أن ذلك خاصّ بكلام النبي صلى اللّه عليه وسلم فليس كذلك، وقد ثبت في الصحيحين، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: «إن العبد إذا وضع في قبره وتولّى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم» «2» ، وقد سبق ذكره، وسنذكر الأحاديث الواردة بسماع الموتى سلام من يسلّم عليهم فيما بعد، إن شاء اللّه.
وأما قوله: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى، وقوله: وَ ما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ، فإن السماع يطلق ويراد به إدراك الكلام وفهمه، ويراد به أيضا الانتفاع به، والاستجابة له.
والمراد بهذه الآيات نفي الثاني دون الأول، فإنها في سياق خطاب الكفّار الذين لا يستجيبون للهدى ولا للإيمان إذا دعوا إليه، كما قال اللّه تعالى: وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَ لَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها
(1) «صحيح البخاري» (3976) .
(2) تقدم.