كنف الصفراء، قد أدركوا الجاهلية، ثم دعا الحويرث، فقال: إن هذا أخبرني- ولست أتهمه- حدّثهم يا حويرث ما حدّثتني، فحدثهم، فقالوا: قد عرفنا هذا يا أمير المؤمنين، هذا رجل من غفار، مات في الجاهلية، فحمد اللّه عمر، وسرّ بذلك حين أخبروه أنه مات في الجاهلية، فسألهم عمر عنه، فقالوا: يا أمير المؤمنين، كان رجلا من رجال الجاهلية، ولم يكن يرى للضيف حقا.
وروى هشام بن عمار، في كتاب (البعث) ، عن يحيى بن حمزة، حدّثني النعمان، عن مكحول، أن رجلا أتى عمر بن الخطاب- رضي اللّه عنه- وقد ابيضّ رأسه ونصف لحيته، فقال له عمر: وما بالك؟ فقال: يا أمير المؤمنين! مررت بمقبرة بني فلان ليلا، فإذا رجل يطلب رجلا بسوط من نار، كلّما لحقه ضربه، فاشتعل ما بين مفرقه إلى قدمه نارا، فلاذ بي الرجل، فقال: يا عبد اللّه أغثني، فقال الطالب: يا عبد اللّه لا تغثه، فبئس عبد اللّه هو، فقال عمر: لذلك كره لكم نبيكم أن يسافر الرجل وحده.
وخرّج ابن أبي الدنيا، في كتاب (من عاش بعد الموت) «1» من طريق شهاب من خراش، عن عمه العوامّ بن حوشب، عن مجاهد، قال: أردت حاجة، فبينما أنا في الطريق، إذ فاجأني حمار قد خرج عنه من الأرض، فنهق في وجهي ثلاثا، ثم دخل، فأتيت القوم الذين أردتهم، فقالوا: ما لنا نرى لونك قد حال، فأخبرتهم الخبر، فقالوا:
ذاك غلام من الحيّ، وتلك أمه في تلك الخباء، وكانت إذا أمرته بشي ء شتمها، وقال: ما أنت إلا حمار، فنهق في وجهها، فمات، فدفنّاه في ذلك الحفير، فما من يوم إلا وهو يخرج رأسه في الوقت الذي دفنّاه، فينهق إلى ناحية الخباء ثلاث مرات، ثم يدخل.
وخرّجه من وجه آخر عن شهاب، عن عمه العوّام، عن عبد اللّه بن أبي الهذيل، قال: كان رجل إذا كلمته أمه نهق في وجهها ثلاثا. ثم ذكر باقيه مختصرا «2» .
قال ابن أبي الدنيا «3» : وحدّثنا سويد بن سعيد، حدّثنا الحكم بن سنان، عن عمرو بن دينار، قال: كان رجل من أهل المدينة له أخت، فماتت، فجهزها وحملها إلى قبرها، فلما دفن ورجع إلى أهله ذكر أنه نسي كيسا كان معه في القبر، فاستعان برجل من أصحابه، فأتيا القبر، فنبشاه، فوجدا الكيس، فقال للرجل: تنحّ حتى أنظر على أي حال أختي، فرفع بعض ما على اللحد، فإذا القبر يشتعل نارا، فردّه وسوى القبر، ورجع إلى أمه، فسألها عن حال أخته، فقالت: كانت تؤخّر الصلاة عن وقتها، ولا تصلّي فيما أظن بوضوء، وتأتي أبواب الجيران إذا ناموا فتلقم أذنها أبوابهم فتخرج حديثهم.
(1) (رقم: 27) .
(2) المصدر السابق (رقم: 28) .
(3) في «القبور» (رقم: 97) ، وضعّف إسناده محقّقه.