وروينا من طريق مزداد بن جميل قال: قال أبو المغيرة: ما رأيت مثل المعافى بن عمران بعد ما دفن، فسمعته وهو يلقن في قبره، وهو يقول: لا إله إلا اللّه، فيقول المعافى: لا إله إلّا اللّه.
وخرّج ابن أبي الدنيا في كتاب (القبور) من حديث مرثد بن حوشب قال: كنت جالسا عند يوسف بن عمرو، وإلى جانبه رجل كأن شقّ وجهه صفحة من حديد، فقال له يوسف: حدّث مرثدا بما رأيت، قال: كنت شابا قد أتيت هذه الفواحش فلما وقع الطاعون، قلت: أخرج إلى ثغر من هذه الثغور، ثم رأيت أن أحفر القبور فإذا بي بليلة بين المغرب والعشاء قد حفرت قبرا وأنا متكئ على تراب قبر آخر، إذ أقبل بجنازة رجل حتى دفن في ذلك القبر، وسوينا عليه التراب، فأقبل طائران أبيضان من المغرب مثل البعيرين، حتى سقط أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، ثم أثاراه ثم تدلى أحدهما في القبر، والآخر على شفيره، قال: فجئت فجلست على شفير القبر، وكنت رجلا لا يملأ جوفي شي ء، قال: فضرب بيده إلى حقوه، فسمعته يقول:
أ لست الزائر أصهارك في ثوبين ممصّرين تسحبهما كبرا تمشي الخيلاء؟ فقال: أضعف من ذلك، فضربه ضربة امتلأ القبر حتى فاض ماء أو دهنا. قال: ثم عاد فعاد عليه مثل القول الأول، حتى ضربه ثلاث ضربات، كل ذلك يقول له ويذكر أن القبر يفيض ماء أو دهنا، قال: ثم رفع رأسه فنظر إليّ فقال: انظر أين هو جالس أبلسه اللّه، قال: ثم ضرب جانب وجهي فسقطت، فمكثت ليلتي حتى أصبحت. قال: ثم أخذت أنظر إلى القبر فإذا هو على حاله، وأذكر جلوسي، وذكر نحو هذا أو شبهه، وكذلك شواهد اتساع اللحد وانفراجه «1» .
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب (المحتضرين) بإسناده عن أبي غالب صاحب أبي أمامة، أن فتى بالشام حضره الموت، فقال لعمه: أ رأيت لو أن اللّه دفعني إلى والدتي، ما كانت صانعة بي؟ قال: إذا واللّه تدخلك الجنة. فقال: واللّه للّه أرحم بي من والدتي، فقبض الفتى، فجزع عليه عبد الملك بن مروان، قال: فدخلت القبر مع عمه فخطّوا له خطا فلم يلحدوه، قال: فقلنا باللبن، فسويناه عليه، فسقطت لبنة، فوثب عمه فتأخر، قلت: ما شأنك؟ قال: ملئ قبره نورا، وفسح له مدّ بصره.
وبإسناده عن محمد بن أبان، عن حميد، قال: كان لي ابن أخت فذكر شبها بهذه الحكاية، إلا أنه قال: فاطلعت في اللحد، فإذا هو مدّ بصري، قلت لصاحبي:
رأيت ما رأيت؟ قال: نعم فليهنئك ذلك. قال: فظننت أنه بالكلمة التي قالها.
وروى في كتاب (ذكر الموت) بإسناده، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن الأشياخ
(1) أخرج القصة ابن أبي الدنيا في «القبور» (رقم: 98) ، وذكرها ابن القيم في «الروح» .