وخرّج ابن منده، من طريق علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، أن سلمان قال لعبد اللّه بن سلام: إن أرواح المؤمنين في برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت، وإن أرواح الكفار في سجّين. وعلي بن زيد ليس بالحافظ، خالفه يحيى بن سعيد الأنصاري مع عظمته وجلالته وحفظه.
فروى عن سعيد بن المسيب، قال فيه: إن أرواح المؤمنين تذهب في الجنة حيث شاءت، كما سبق ذكره.
وقد تقدم عن مالك: أن الأرواح مرسلة تذهب حيث شاءت. وخرّجه ابن أبي الدنيا، عن خالد بن خداش، قال: سمعت مالكا يقول ذلك.
وخرّج أيضا عن حسين بن علي العجلي، حدّثنا أبو نعيم، حدّثنا شريك، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن عبد اللّه بن عمرو، قال: مثل المؤمن حين تخرج نفسه، أو قال روحه، مثل رجل كان في سجن، فأخرج منه، فهو يتفسّح في الأرض ويتقلب فيها.
ومما استدل به على أن الأرواح في الأرض، حديث البراء بن عازب، الذي تقدّم سياق بعضه، وفيه صفة قبض روح المؤمن: «فإذا انتهى إلى العرش كتب كتابه في عليّين، ويقول الرب سبحانه وتعالى: ردّوا عبدي إلى مضجعه، فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، فتردّ إلى القبر» ، وذكر الحديث. وقال في روح الكافر: «فيصعد بها إلى السماء، فتغلق دونه، فيقول الرب سبحانه وتعالى: ردّوا عبدي إلى مضجعه، فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى» . وفي رواية: ويقول اللّه: «ردّوا عبدي إلى الأرض، فإني وعدتهم أني أردهم فيها» ، ثم قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَ فِيها نُعِيدُكُمْ وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى [طه: 55] . وهذا يدل على أن أرواح المؤمنين تستقر في الأرض، ولا تعود إلى السماء بعد عرضها ونزولها إلى الأرض، وهناك أرواح تبقى في الجنة لا سيما الشهداء.
وفي «صحيح مسلم» عن عبد اللّه بن شقيق، عن أبي هريرة، في صفة قبض روح المؤمن قال: «ثم يصعد به إلى ربه عزّ وجلّ، فيقول: ردوه إلى آخر الأجلين» ، وقال مثله في الكافر، وقال فيه: ردّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ربطة على أنفه، يعني لما ذكر نتن ريحه «1» . وهذا يشهد برفع الحديث كله.
وخرّج ابن أبي الدنيا، من حديث قسامة بن زهير، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم:
(1) تقدم.