الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) [آل عمران:29] فَنَبَّهَ عَلَى عِلْمِهِ بِمَا يُضْمِرُهُ مُرْتَكِبُ الْحَرَامِ بِمُوَالاَةِ الْكُفَّارِ أَنَّهُ هَل يَفْعَلُهُ تَقِيَّةً أَوْ مُوَافَقَةً. قَال الرَّازِيُّ: إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا نَهَى عَنِ اتِّخَاذِ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَاسْتَثْنَى التَّقِيَّةَ فِي الظَّاهِرِ، أَتْبَعَ ذَلِكَ بِالْوَعِيدِ عَلَى أَنْ يَصِيرَ الْبَاطِنُ مُوَافِقًا لِلظَّاهِرِ فِي وَقْتِ التَّقِيَّةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ أَقْدَمَ عِنْدَ التَّقِيَّةِ عَلَى إِظْهَارِ الْمُوَالاَةِ، فَقَدْ يَصِيرُ إِقْدَامُهُ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْل بِحَسَبِ الظَّاهِرِ سَبَبًا لِحُصُول تِلْكَ الْمُوَالاَةِ فِي الْبَاطِنِ وَهَذَا الْوُقُوعُ فِي الْحَرَامِ وَعَدَمِ الْمُبَالاَةِ بِهِ، الَّذِي أَوَّلُهُ التَّرَخُّصُ عَلَى سَبِيل التَّقِيَّةِ، وَآخِرُهُ الرِّضَا بِالْكُفْرِ وَانْشِرَاحُ الصَّدْرِ بِهِ، هُوَ الْفِتْنَةُ الَّتِي أَشَارَتْ إِلَيْهَا بَقِيَّةُ الآْيَاتِ مِنْ سُورَةِ النَّحْل الَّتِي تَلَتْ آيَةَ الإِكْرَاهِ. قَال تَعَالَى {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل:110] وَفِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) } [البقرة:8 - 10] قَال الطَّبَرِيُّ"مَعْنَاهُ إِذَا آذَاهُ الْمُشْرِكُونَ فِي إِقْرَارِهِ بِاَللَّهِ جَعَل فِتْنَةَ النَّاسِ إِيَّاهُ كَعَذَابِ اللَّهِ فِي الآْخِرَةِ فَارْتَدَّ عَنْ إِيمَانِهِ بِاَللَّهِ رَاجِعًا إِلَى الْكُفْرِ بِهِ".قَال:"وَذَكَرَ أَنَّ هَذِهِ الآْيَةَ نَزَلَتْ"