عَلَى أَنَّ امْتِنَاعَ التَّقِيَّةِ عَلَى الأَنْبِيَاءِ لاَ يَعْنِي عَدَمَ عَمَلِهِمْ بِالْمُلاَطَفَةِ وَاللِّينِ وَالْمُدَارَاةِ لِلنَّاسِ كَمَا تَقَدَّمَ، أَيْ مِنْ دُونِ إِخْلاَلٍ بِفَرِيضَةٍ أَوِ ارْتِكَابٍ لِمُحَرَّمٍ. [1]
تَقَدَّمَتْ الأَدِلَّةُ عَلَى جَوَازِ الْعَمَل بِالتَّقِيَّةِ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي حُكْمِهَا. فَقِيل: إِذَا وُجِدَ سَبَبُهَا وَتَحَقَّقَ شَرْطُهَا فَهِيَ وَاجِبَةٌ، لِأَنَّ إنْقَاذَ النَّفْسِ مِنَ الْهَلَكَةِ أَوِ الإِيذَاءِ الْعَظِيمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لاَ يَحْصُل إِلاَّ بِهَا فِي تَقْدِيرِ الْمُكَلَّفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29]
وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الأَوْلَى لِلإِنْسَانِ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ بِظَاهِرِهِ، كَمَا هُوَ عَلَيْهِ بِبَاطِنِهِ [2] .
وَقَدْ يَكُونُ الثَّبَاتُ أَفْضَل وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَمَثُوبَةً وَلَوْ كَانَ الْعُذْرُ قَائِمًا، وَثَبَتَ هَذَا بِالأَدِلَّةِ الصَّحِيحَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَمِنَ الْكِتَابِ مَا فِي سُورَةِ الْبُرُوجِ، فَقَدْ حَكَى اللَّهُ تَعَالَى قِصَّةَ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلَى عَذَابِ الْحَرِيقِ فِي الأُخْدُودِ، وَاخْتَارُوا ذَلِكَ عَلَى أَنْ يُظْهِرُوا
(1) - مختصر التحفة الاثنى عشرية ص 295.
(2) - تفسير القرطبي 4/ 57.