بِشَرْطِ أَنْ يُضْمِرَ خِلاَفَهُ وَأَنْ يُعَرِّضَ فِي كُل مَا يَقُول، فَإِنَّ التَّقِيَّةَ تَأْثِيرُهَا فِي الظَّاهِرِ لاَ فِي أَحْوَال الْقُلُوبِ [1] .
وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى كُفْرٍ فِعْلِيٍّ كَالسُّجُودِ لِصَنَمٍ أَوْ إِهَانَةِ مُصْحَفٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُرَخَّصُ لَهُ فِي فِعْلِهِ تَقِيَّةً، قَال ابْنُ حَجَرٍ فِي قَوْله تَعَالَى {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل:106] قَال: الْكُفْرُ يَكُونُ بِالْقَوْل وَالْفِعْل مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادٍ وَقَدْ يَكُونُ بِاعْتِقَادٍ، فَاسْتَثْنَى الأَوَّل وَهُوَ الْمُكْرَهُ. [2]
يُبَاحُ لِلْمُكْرَهِ شُرْبُ الْخَمْرِ وَأَكْل لَحْمِ الْمَيْتَةِ أَوْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَذَلِكَ عَلَى سَبِيل التَّقِيَّةِ إِذَا وُجِدَتْ شُرُوطُهَا لِأَنَّ حُرْمَةَ هَذِهِ الأَشْيَاءِ ثَابِتَةٌ بِالشَّرْعِ، وَهِيَ مُفْسِدَةٌ فِي حَال الاِخْتِيَارِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَثْنَى حَال الضَّرُورَةِ مِنَ التَّحْرِيمِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَل {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام:119] فَظَهَرَ أَنَّ التَّحْرِيمَ مَخْصُوصٌ بِحَالَةِ الاِخْتِيَارِ، وَقَدْ تَحَقَّقَتِ الضَّرُورَةُ هُنَا لِخَوْفِ التَّلَفِ عَلَى
(1) - تفسير الرازي 8/ 14.
(2) - فتح الباري 12/ 314.