وقال بعض العلماء: وقد ظن من لم ينعم النظر أن المدارة هي المداهنة، وذلك غلط، لأن المدارة مندوب اليها والمداهنة محرمة، والفرق بينهما بين، وذلك أن المادهنة اشتق اسمها من الدهان الذى يظهر على ظواهر الأشياء ويستر بواطنها، وفسرها العلماء فقالوا: المداهنة هي أن يلقى الفاسق المظهر فيؤالفه ويؤاكله، ويشاربه، ويثنى على أفعاله المنكرة ويريه الرضا بها ولاينكرها عليه ولو بقلبه وهو أضعف الإيمان، فهذه المداهنة التي برأ الله عز وجل منها نبيه عليه السلام بقوله: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} (9) سورة القلم.
والمدارة هي الرفق بالجاهل الذى يستتر بالمعاصي ولا يجاهر بالكبائر، والمعاطفة في رد أهل الباطل إلى مراد الله بلين ولطف حتى يرجعوا عما هم عليه.
فإن قال قائل: فأين أنت في قولك هذا من عَائِشَةَ، أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،فَلَمَّا سَمِعَ صَوْتَهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لِعَائِشَةَ: بِئْسَ الرَّجُلُ، أَوْ بِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ فَلَمَّا دَخَلَ انْبَسَطَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،فَلَمَّا خَرَجَ، كَلَّمَتْهُ عَائِشَةُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْتَ